مراصد الخطاب

إمبراطورية البلاغة

 

3 – رحلة البلاغة الغربية

 

 

الكلمة التي تقابل في الثقافة الغربية الحديثة كلمة بلاغة العربية هي كلمة ريطوريك إطلاقاً أو تقييداً حيث يقال: بلاغة، وبلاغة عامة وبلاغة الشعر (انظر مجموعة مي مثلا). والكلمة من أصل يوناني، كان العرب قد ترجموها بالريطورية حين لاحظوا عدم مطابقة مفهومها القديم لمفهوم البلاغة عند العرب.

فقد كانت الريطورية (البلاغة) مرتبطة بالإقناع الخطابي في مقابل البويتيقا أو (فن الشعر) التي خصصها أرسطو للمحاكاة الشعرية في المقام الأول.

لنترك التفرقة القديمة ولنستعمل كلمة بلاغة لما صارت الريطورية تدل عليه في العصر الحاضر ـ تمهيداً من عصور قديمة ـ وهو البلاغة باعتبارها، كما يقول رولان بارث، خطاباً حول خطاب: "المقصود بالبلاغة، هنا، هو اللغة الواصفة التي تتخذ "الخطاب" موضوعاً لها، تلك البلاغة التي سادت في الغرب منذ القرن الخامس قبل الميلاد حتى القرن التاسع عشر بعد الميلاد" (البلاغة القديمة. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي) والخطاب  oratio ilagos في البلاغة القديمة (حسب حاشية الترجمة) هو الوحدة العليا التي تضم فنون القول شعراً ونثراً. (مع هذا التوضيح فإن المسألة ليست محسومة في أذهان الدارسين الغربيين كما هي محسومة في التراث العربي. فذهنهم ينصرف حين الحديث عن البلاغة تاريخياً إلى الخطاب الإقناعي في بعدية التنظيمي واللغوي (الصور البلاغية). وقد يرتفع اللبس قليلا إذا ترجمت الشعرية القديمة بنقد الشعر عندنا. فيكون هذا النقد رافداً من روافد البلاغة قبل أن تبتلعه.

***

من الصعب الربط بين نشاط علمي مثل البلاغة وبين حدث واحد محدد، ومع ذلك فقد لوحظ أن البلاغة بوصفها فناً للإقناع بالوسائل الممكنة أو المتاحة، وباعتبارها حاجة تخضع للتعليم والتأليف قد ظهرت على أثر النزعات الفضائية التي ترتبت عن مصادرة أملاك الصقليين حوالي (485 ق هـ)  لصالح المرتزقة. فبعد أن أطيح بالطغاة في ثورة شعبية ديمقراطية حدثت نزعات متعددة حول الأرض. ونظراً لانعدام وسائل الإثبات المادية (الوثائق) صارت الفصاحة الوسيلة المعتمدة لإقناع لجن المحلفين التي شكلت لفض هذه الخصومات.

لقد ظهرت الحاجة إلى تعليم الناس كيف يدافعون عن أنفسهم. كيف يستميلون الحكام، ثم وقع ما وقع في أحوال عديدة مشابهة "تحولت الدروس إلى كراسات، والكراسات إلى كتب، فظهر أول تأليف نعرفه في البلاغة على يد كوراكس. اهتم كوراكس بتنظيم المادة وعرضها، فاقترح الأجزاء الخمسة لبناء الخطبـة: 1) المقدمة. 2) السرد أو الحدث (عـرض الوقائع). 3) الاستـدلال أو البرهـان. 4) الاستطراد. 5) الخاتمة. (نفسه 39).

لقد عزي إلى هذا الحدث نشوء جنسين من الأجناس الثلاثة للخطابة: المشوري (السياسي)، والقضائي. ثم عزي نشوء الجنس الثالث: "الاحتفالي. 1) إلى انتقال بعض الموضوعات الشعرية إلى مجال النثر، مثل المراثي، على يد الخطيب السوفسطائي الشهير جورجياس، وكان قد وفد إلى أثينا عام 427 ق.م. "وهكذا ظهر جنس ثالث (بعد القضائي والمشوري) هو المحفلي. وخلال هذا العبور من الشعر إلى النثر اختفى الوزن العروضي والموسيقي فأراد جورجياس تعويضهما بسنن محايث (مناسب) للنثر (رغم كونه مستعاراً من الشعر) هو: الجناس. وتناظر الجمل وتقوية المقابلات عن طريق تجانس الحركات وحروف المد والاستعارات وجناس الحروف" (نفسه 40).

وبذلك أنجز جورجياس البعد الثاني للبلاغة، أي البعد اللغوي، أو ما يمكن أن نقارنه بعمل البديعيين مثل عبد الله بن المعتز هؤلاء الذين انشغلوا بتجميع الصور البلاغية والتمثيل لها. فأضيف هذا الإنجاز إلى الجانب الذي أنجزه كوراكس، فأصبح للبلاغة دعامتان: دعامة استبدالية (من الصور) وأخرى نظمية أو تركيبية.

وكان اعتناء السفسطائيين بالجانب البديعي الزخرفي داخلا في تصورهم لوظيفة الخطاب: أي الوصول إلى الهدف من خلال القول، ولو أدى ذلك إلى المغالطة. وقد دخلوا بسبب هذا الموقف في نزاع مرير مع الفلاسفة، نزاع صوره أفلاطون في محاورته "جورجياس" و"فيدر"، حيث يسخر الخطباء السفساطئيون من سقراط (محاورهم)، ومن خلاله يسخرون من الفلاسفة الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم أمام المحاكم في حين يتبجحون بالحقيقة.

لقد وصلت البلاغة إلى قمة الغرور والأنانية مع السوفسطائيين إذ صارت تعتقد السيطرة على العالم ومنافعه من خلال الكلام. الشيء الذي أدى بالفلاسفة إلى طرد الخطباء الذين يترافعون أمام المحاكم من حظيرة الباحثين عن الحقيقة (انظر مقدمة في بلاغة الخطاب الإقناعي لمحمد العمري).

وانتهى أفلاطون من الاستماع إلى مرافعات السفسطائيين والفلاسفة باسم سقراط إلى تقسيم البلاغة إلى نوعين "إحداهما سيئة والأخرى جيدة": البلاغة السيئة هي التي تُعنى بإنتاج الخطب على أساس العرف والتوهيم "إنها بلاغة معلمي البلاغة والمدارس وبلاغة جورجياس والسوفسطائيين" (نفسه 48). البلاغة الجيدة هي "البلاغة الفلسفية والجدل أيضاً، وموضوعها هو الحقيقة ويُسميها أفلاطون بسيخاغوجيا" (ص42) أي تربية النفوس بواسطة القول.

ومن هنا بدت تلك المقارنات الاستعارية المحقرة. فالبلاغة بثنيها للمسطرة قبل القياس بها، كما قال أرسطو، تفسد القضاء. ومن هنا بدت كفن الطبخ بالنسبة للطب، والزينة بالمقارنة مع التمارين الرياضية أنها لا تستحق في نظر أفلاطون اسم الفن.

إن هذا الحوار العنيف بين البلاغة الناشئة الطامحة إلى امتلاك العالم ولو بالعنف (المغالطة) قد يساهم في وضوح الرؤية بالنسبة للفلاسفة اللاحقين، ومن هنا عمد أرسطو إلى تقسيم امبراطورية القول إلى إمارات صغيرة تتنازع على الحدود، من بينها إمارة الشعر وإمارة الخطابة، مميزاً بين تقنيتيهما: تقنية الخطابة (الريطورية) وتقنية الشعر (البويثيقا) أو (فن الخطابة وفن الشعر).

وقد هيمنت البلاغة الأرسطية حتى أنشئت ما قبلها، وصارت البلاغة الغربية تنتسب إلى أرسطو مباشرة ولاءً له أو ثورة عليه. إن جميع البلاغيين الذين سيقرون بالتقابل بين تقنية الشعر وتقنية الخطابة "يمكن وضعهم في صف البلاغة الأرسطية" (بارث 45) "وستنتهي هذه الأخيرة حين يتم تحييد هذا التقابل"، ويتم الاندماج بين الخطابة والشعر، "وتصبح البلاغة فنا للشعر باعتباره إبداعا (نفسه). وقد حدث ذلك حين انتقلت البلاغة الأرسطية إلى المجال الروماني خاصة في العقود الأخيرة من القرن الأول قبل الميلاد على يد أفيديوس وهو رايتوس (أوفيدوهوارس).

وقد تكرس هذا المنحى في العصور الوسطى. لقد حل التعبير أو الأسلوب محل البرهان في بلاغة أرسطو. ومن هذا التقارب نشأ مفهوم الأدب، الذي صار يتحدد بجودة الكتابة. يقول رولان بارث بعد استعراض رحلة البلاغة في العصر الروماني: "كانت المغامرة الأخيرة للبلاغة الأرسطية هي انتشارها بطريقة توفيقية، فقد كفت البلاغة عن أن تقابل فن الشعر، وتم ذلك لصالح مفهوم متعال يمكن أن نطلق عليه اليوم اسم "الأدب".. إنها إذن نظرية فعل الكتابة وكنز الأشكال الأدبية في آ ن واحد (نفسه 55).

لقد قامت البلاغة بثورة خلال القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد انطلاقاً من مدارس آسيا الصغرى، عرفت بالبلاغة الجديدة أو (السوفسطيقا الثانية) حاولت استخلاص لغة أدبية عامة من التراث الإغريقي واللاتيني.

غير أن هذه الثورة ما كان لها أن تعدو القرن الرابع بعد الميلاد آخر عصور الازدهار، فقد أخذ التاريخ طريقاً آخر لتبدأ مغامرة بلاغة أخرى. ومع ذلك لقد حفظت البلاغة الإغريقية رمقها إلى أن واجهت قلق عصر النهضة وأسئلته المفزعة. فقد استمر تدريسها في بعض المدارس الرومانية خاصة في أرض فرنسا الحالية، وأدرك شارلمان بقية نفس منها فأدخل تدريس الصور البلاغية في أصلاحه التعليمي. وكانت البلاغة قبل ذلك بقليل تتمسح بالكتاب المقدس وتحتمي به، فقد بُرهن على أن الكتاب المقدس نفسه حافل بالصور البلاغية. ومع زيادة انحباس البلاغة وانضغاطها بين النحو والمنطق يرفعانها في الاتجاه الآخر، فتقرر في أواخر العصر الوسيط اللجوء إلى الآباء اليسوعيين الذين أسسوا ابتداء من القرن السادس عشر عدداً من المدارس ووضعوا برامج تدريسية احتلت البلاغة فيها مكان الصدارة لمدة ثلاثة قرون، ثم تبنت جامعة باريس الناشئة برامج اليسوعية قبل أن يكتسح أوروبا بأجمعها. كانت البلاغة مادة التدريس النبيلة المهيمنة، وكانت الجوائز المدريسة الوحيدة هي جوائز البلاغة والترجمة والحفظ، لكن جائزة البلاغة التي تمنح عقب مبارة خاصة هي التي تعين التلميذ الأول القائد، أو خطيب الشعب" (نفسه ص 86).

غير أن البلاغة لم تستمر في الحياة خلال القرن التاسع عشر إلا بصورة اصطناعية تحت حماية "القوانين الرسمية" (نفسه 88). لقد كان الرومانسيون ينظرون إليها شرزاً ويلصقون بها كل التهم في جمود الأدب، إذ لم يعد لها في نظرهم غير السهر على حماية كمشة من "صور الاستعمال" التي ينعدم معها الإبداع. يقول جون كوهن: "ومن ثم نفهم رغبة المحدثين، وعلى رأسهم الرومانسون، في التخلص من هذا البهرج البالي. فكلمة هيكو: "لنحارب البلاغة" ليس لها من معنى آخر. إنه يشن الحرب على البلاغة المتحجرة. وعلى أشكالها الجاهزة التي ترهق اللغة بدون طائل" (بنية اللغة الشعرية 45. ترجمة محمد الولي ومحمد العمري).

وفي هذا السياق دعا بول فيرلين إلى لَي عنق البلاغة حتى تزهق روحها. ولعل القارئ يتذكر أصداء هذه الدعوة الرومانسية في الأدب العربي. لعله يتذكر بعض عبارات نقد العقاد لتعامل شوقي مع الصور البلاغية التي صارت، منذ عصر الانحطاط، ترصف كالحجارة الملونة، فأصبح العمل الأدبي كلعب الصبيان، وأصبح الشاعر تابعا للبلاغة لا لوجدانه.