نظرية الأدب

 في القرن العشرين

(صدرت الطبعة الثانية عن إفريقيا الشرق. الدار البيضاء. 2004)((

********

 

مقدمة الطبعة الثانية

تدخل نظرية الأدب في إطار تأمل الذات ومساءلة الهوية. وهذه عملية تمارسها المباحث العلمية عند تحقيق قدر من النضج نتيجة تراكم وصفي وتأويلي لمختلف مظاهر تجلي الظاهرة. ومجالها البحث في طبيعة الموضوع وتخومه وآليات اشتغاله. ومن المفارقات أن هذا النضج الذي يدفع إلى تأمل هوية الظاهرة قد يؤدي، كما هو الشأن بالنسبة للأدب، إلى التشكيك في وجود هذه الهوية؛ إن لم يكن على مستوى الوظيفة فعلى الأقل على مستوى البنية المنتج لها. وهذا ما يفسر الجنوح في العصر الحاضر إلى استعمال كلمات أخرى ـ مثل: "الخطاب" و "النص" و"الكتابة" ـ لمعالجة المادة المدرجة عادة ضمن خانة الأدب. يثور هذا النقاش في اللحظات الانتقالية حيث تظهر صور جديدة من التعبير تبعا لتغير وسائل الاتصال والتفاعل الخطابي، من جهة، وتطور العلوم الإنسانية، من لغوية وفلسفية واجتماعية ونفسية، من جهة ثانية.

عرف تاريخ النظرية الأدبية تفسيرين كبيرين للفعالية الأدبية. هيمن مفهوم المحاكاة باعتبارها خصوصية الأدب (الشعر بالتحديد) والفنون عامة من العهد اليوناني إلى أواسط القرن الثامن عشر. وهو مفهوم ارتبط أصلا ب"الحكاية" "ممثلة" على الخشبة، ولذلك ظل، برغم خلفياته الفلسفية، ينجذب نحو التمثيل (تمثيل واقع خارجي)، أي صورة متخيلة. ومن المتخيل بالمفهوم التمثيلي أثير مفهوم الكذب. ولعل استمرار هذا الربط بين المحاكاة والتخيل التمثيلي هو الذي يقف وراء انصراف كلمة fiction في الثقافة الغربية إلى الفنون الحكائية وعلى رأسها الرواية، في حين يندر، إن لم يتعذر، إطلاق هذا النعت على الشعر بمعناه الضيق المتمثل في القصيد الغنائي، وعلى أشكال أخرى من التعبير الأدبي مثل الألغاز والنكت والابتهالات وما إلى ذلك. وحين يتوجه النظر والاهتمام إلى الشعر الغنائي وإلى الوظيفة الأدبية في الكتابة عامة؛ سواء كانت فلسفية أو تاريخية أوتداولية حجاجية تتعرض نظرية المحاكاة إلى النقد والتوسيع أو الاستبدال.

أول انتقاد عملي لنظرية المحاكاة هو الذي مارسته البلاغة العربية من خلال أعمال الفلاسفة باعتماد مفهوم "التخييل" باعتباره تأثيرا نفسيا يمكن أن يصدر عن مقدمات صادقة أو كاذبة، ومفهوم "التغيير" باعتباره إجراءات نصية كما صاغها ابن رشد. وقد مورس هذا التعديل، كما بينا في كتاب البلاغة العربية، عن وعي نظري بطبيعة الفرق بين الشعر التمثيلي اليوناني والشعر الغنائي العربي.

أما في الثقافة الغربية فقد توالى النقد على نظرية المحاكاة طوال العصر الكلاسيكي كما يقول تودوروف في مقال له بعنوان: مفهوم الأدب. وانتهى الأمر بتخصيص المحاكاة الأدبية والفنية بصفة: المحاكاة الفنية. قبل أن تهيمن الصفة على الموصوف في أواسط القرن الثامن عشر. فانتقلت الوظيفة من التعليم أو التثقيف (instruire) إلى المتعة (أو اللذة)، من المرجع الخارجي إلى الغائية الذاتية. ومن ثم اتجه الاهتمام إلى الرسالة في حد ذاتها وتراجع مفهوم الأداة. فالجميل مطلوب لذاته. وقيست اللغة في الأدب بالصورة في التشكيل والصوت في الموسيقى. وقد ناسب هذا التصور مفاهيم الحركة الرومانسية فدافعت عنه، بل لعله نشأ في حضنها، ثم دعمته الحركة الرمزية من خلال إنتاجها الشعري الذي يعير اهتماما كبيرا للشكل. ومن المعلوم أن الحركتين الرومانسية والرمزية بسطتا طلالهما على المفهوم الحديث للأدب كما نلاحظ من أعمال الشكلانيين الروس والنقد الجديد الأميريكي. فالوظيفة الأدبية تركز في الحالين على الرسالة كما جاء في صياغة ياكوبسون المشهورة.

ومع ذلك يظل السؤال هو: كيف يتم ذلك؟

لقد بدت الوصفة التي قدمها الشكلانيون حول الانزياح مغرية، ولذلك اعتمدها ويليك في كتاب نظرية الأدب المشترك بينه وبين وارين. فابدى وأعاد في بيان الفرق بين الاستعمال الأدبي والاستعمالين اليومي والعلمي للغة. ورغم أن هذه النظرية مدعمة بمشروعية تاريخية داعمة وامتدادات تطبيقية متعددة فقد تعرضت للنقد من زاويتين على الأقل: أولاهما أن افتراض وجود هوية واحدة للخطاب غير الأدبي ليكون الأدب انزياحا عنها لا يستند على أساس، بل يتجاهل تعدد الخطابات غير الأدبية. وثانيهما دور المتلقي في صياغة أدبية النص، وهذا هو التعديل الأساسي الذي طرأ بعد منتصف القرن العشرين. وقد ألح تيري إنجلتون على هذا البعد، في كتابه نظرية الأدب، وانتهى إلى ما أن يفعله القارئ بالنص ليس أقل أهمية مما يفعله النص بالقارئ. وهكذا طرحت جمالية التلقي على نظرية الأدب أسئلة جديدة معيدة الاعتبار للبعد المعرفي التواصلي للأدب. كما طرحت وسائل الاتصال "موضوعات" (أو متونا) تتطلب البث في هويتها الأدبية. وعموما فإن التطور يطرح على الدوام قضية الهوية الأدبية: أشكال تنخرط (من الجديد الطارئ، ومن القديم الذي لم يكن يعتبر أدبا)، وأشكال تستقيل أو تقال من الوظيفة الأدبية. وهذا سر الحاجة إلى مراجعة دائمة لنظرية الأدب والابتعاد عن السهولة المؤدية إلى استبدال مصطلح بمصطلح.

لقد نفدت الطبعة الأولى من هذا الكتاب منذ أكثر من ثلاث سنوات رغم ظهور طبعة أخرى، غير مرخصة، في الشرق العربي. وهذا يدل على مدى الأهمية التي يوليها القراء لهذا المنحى من البحث.

محمد العمري

المحمدية 17/07/2004