فحص بلاغي لمقال مشبوه

حول القدس

السؤال هو:

من يستفيد اليوم من صرف النظر عن

مأساة الإنسان في القدس؟

 

محمد العمري

 

 

[كتب هذا التعليق(الرد) منذ سنوات، في سياق شبيه بالسياق الحالي: حين سعى نتانياهو بكل صلافة وعنجهية إلى قضم ما تبقى من أرض القدس. ففي ذلك الظرف صدر مقال مطول في جريدتنا: الاتحاد الاشتراكي، بعنوان: من قال إن القدس أرض إسلامية؟ ومن المؤسف أن هذا التعليق/الرد لم يجد طريقه إلى النشر برغم كل المحاولات التي بذلتها. وحتى لا تولِّد الأزمة الحالية مقالا مشابها ارتأيت أن أعرضه للنشر مرة أخرى في هذا الظرف الشبيه. ومن الأمانة أن أشير هنا إلى أن الصديق الأستاذ محمد الولي كان قد وقَّع معي النسخة (بل النسخ) التي وجهناها وقتها للجريدة، وربما كان التهرب من النشر لغرض تلافي تعميق الخطأ الذي وقع فيه الناشر حيث انطوت عليه الحيلة، والله أعلم . ننشره في هذه المناسبة حتى لا يظهر مرة أخرى من يشوش على اللحظة]

 

المقال الذي نشرته حنان السقاط الأستاذة بكلية الآداب سايس/فاس بالاتحاد الاشتراكي عدد 27 يونيو97   .  تحت عنوان: " من قال إن القدس أرض إسلامية ؟" ! يثير كثيرا من الأسئلة والشبه. يثير شبها من حيث الظرفية التي جاء فيها،  ومن حيث بناؤه الحجاجي القائم على الدس والتدليس. هذا بقطع النظر عن محتواه المعرفي وسنده التاريخي اللذين لا أجد مبررا للخوض فيهما في الظرف الراهن، وربما في جميع الظروف، لأن مسألة القدس اليوم هي مسالة إنسان يحرم من تقرير مصيره في الأرض التي ولد فيها ونما وترعرع، ويمارس عليه تمييز عنصري يتنافى مع أبسط القيم الإنسانية للقرن الذي نعيش فيه. وعموما فإن توقيت طرح القضايا وتوظيف المعطيات في مثل هذه القضايا الشائكة مسألة تعود إلى الساسة ومستشاريهم من العلماء العاملين، أو العملاء المستعملين، حسب المواقع. وإذ لا نجد أنفسنا صالحين لواحدة من الوظيفتين فإننا نكتفي بالتعليق على المقال من الجانب البلاغي الصِّرف: المقام والبناء الحجاجي:

1 ـ المقام أو الظرفية:

1 .1 ـ في الوقت الذي يسعى فيه الصهاينة إلى قضم ما تبقى من القدس الشرقية ابتداء بإقامة المستوطنات و انتهاء بتوسيع مجال بلدية القدس. وفي الوقت الذي تجرح كرامتنا صور النساء والأطفال وهم يجرون مثل الأغنام، ويضربون بدون رحمة من طرف المستوطنين وقوات الأمن "الإسرائيلية" لا لشيء إلا لأنهم يعترضون عبثا على تخريب بيوتهم ويقاومون المستوطنين الذي يحتلون البيوت والساحات

1. 2 ـ في الوقت الذي طُرحت مسألة القدس على  مجلس الأمن الدولي للنظر في المخططات العدوانية الرامية إلى طمس هوية المدينة الشاخصة للعالم إنسانا وتراثا، مع كل ما تلاقيه العملية من ضغوط أمريكية على الفلسطينيين والعرب والعالم للابتعاد عن الموضوع

1. 3 ـ في الوقت الذي يحاول فيه العرب والمسلمون والمسيحيون تنظيم لقاءات دولية للتحسيس بالخطر الذي يشكله الاستيطان الصهيوني في الواقع الملموس (كان آخرها بمركب القدس بفاس)

1. 4 ـ في الوقت الذي نقرأ في الصحافة المغربية أن المغرب، وعلى رأسه رئيس لجنة القدس صاحب الجلالة الحسن الثاني جمد عمليا عملية التطبيع مع إسرائيل حتى تفي بالتزاماتها ومنها عدم تغيير واقع القدس قبل مفاوضات المرحلة النهائية.

في هذه الظرفية الحاسمة التي تعرف تسارع عملية الحسم في مسألة القدس في الميدان يأتي مقال من هذا القبيل يثير الشكوك و يجر إلى نقاش هامشي لا جدوى منه أمام الواقع. إن الأمر لا يمكن أن يتعلق بسذاجة، بل إن البناء الحجاجي التالي ينم عن وعي ودهاء.

 

2 ـ البناء الحجاجي الخطابي:

1 ـ عنوان المقال بمثابة الصعقة الكهربائية: " من قال إن القدس أرض إسلامية ؟" ! وباعتبار الاستفهام والتعجب يمكن أن يقرأ هذا العنوان القراءات التالية:

1.1 ـ "لا أحد يقول إن القدس إسلامية". وهذا غير مقصود لأن الكاتبة تعلم أن لجنة القدس تقول إنها إسلامية ممثلة العالم الإسلامي في ذلك.

1. 2 ـ عجبا لمن سيقول إن القدس إسلامية بعد ما سأقدمه، و هذا المعنى راجح.

1. 3 ـ لا عاقل يعتقد أن القدس إسلامية. وهذا طموح لإيقاع الوهن.

هذه هي المعاني جميعاً - التي يراد تحريكها في ذهن القارئ لصرفه عن التركيز على البعد المأساوي الحالي للقدس و تهوين ما أصاب أهلها و يصيبهم: فهم الذين جنوا على أنفسهم باحتلال مكان ليس لهم، هذا هو المتوخى من الصعقة العنوانية.

2 ـ بجانب هذا العنوان الأصلي و فوق صورة "الباحثة" عنوان فرعي أول: «القراءة الإسرائيلية للتاريخ الإسلامي»، هذا العنوان الثانوي محاولة لإخلاء الذمة فيما يتعلق بالجهة لا المحتوى (الجهة المدعية لا الدعوى).

فالسؤال التعجبي هو سؤال " الإسرائيليين" بين قوسين. و حين ندخل في جوهر القراءة سنجد أنها ليست قراءة إسرائيلية بل هي قراءة صهيونية، و نحن نعرف خريطة الصهيونية فهي تقول عن القدس ما تقوله عن النيل والحجاز (يثرب). لا يمكن أن يجوز هذا الأمر على الباحثة إلا إذا كانت "تمضغ الثوم لغيرها"، أي تعير فمها.

3 ـ ثم نجد عنوانا فرعيا ثانيا: "من أجل أن يرد مؤرخونا و مثقفونا على الطرح الإسرائيلي"، و ترجمته:

أ ـ القول الأول مطروح للنقاش

ب ـ أو أتحدى مؤرخينا ومثقفينا أن يردوا على هذا السؤال، وهي تشترط أن يكون الرد بنفس قوة الاتهام موهمة بذلك أن حججهم لا ترد.

حين ينتقل القارئ إلى صلب المقال يجد أن هذه القراءة الأولية مشروعة و مؤيدة.

إن عمل الباحثة أشبه من الناحية الحجاجية بتقديم القضايا الخطيرة والحساسة بصورة حيادية وتجريبية على ألسنة الحيوانات. فالوقائع هي الوقائع ولكنها على لسان الحيوان، والحيوانات هنا شيء غامض سمي "بالقراءة الإسرائيلية لتاريخ الإسلام". أو هو أشبه بعملية الجس التي تقوم بها السلطات المستبدة عندما تمهد لمشاريعها التي تتوقع رفضها بالإشاعات غير المسؤولة ومن إشاعة لإشاعة تتمكن الوقائع لتصير حقائق.

وعلى خطورة "الأفكار" بل الاتهامات الواردة في المقال فإن الباحثة لم تقم بأي عمل توثيقي، والحاشية الوحيدة التي خصصت لمرجعية المقال تحيل على الصحافة الإسرائيلية والخطب الدينية لزعماء اليمين بدون تحديد لهذه ولا لتلك. ثم تركز على الأهم والعمدة على المؤرخ الإسرائيلي إيمانويل سيفان الذي هيكل هذه الأفكار وعالج "مسألة الأساطير المؤسسية للسياسة العربية، وكيف قام بعض الزعماء العرب بصنع المعتقدات السياسية الشعبية  الغرض منها تأطير الجماهير الأمية والجاهلة لتاريخها".

 هكذا انطلق قلم الباحثة في الإنتشاء مقدما أطروحات هذا المؤرخ قبل أن تُثني على عمله قائلة: "نشير إلى أن سيفان متخصص في التاريخ الإسلامي الوسيط، وأنه في المرحلة الأخيرة صب اهتمامه على دراسة الظاهرة الإسلامية حيث أصدر كتابا قيما في الموضوع".

انظر هذا المسلسل الاستدراجي القائم على التهديء وامتصاص الغضب أولا ثم تمكين الرسالة ثانيا.

1)                        التهدييئ: "هذا كلام الصحافة واليمين الديني" (في سطرين).

2)                        التمكين: "هذا الكلام نفسه تحول إلى خطاب علمي في كتاب قيم أصدره عالم متخصص". (في سطور).

3)                        إن مثل هذه المقالات الخطيرة تحتاج إلى كثير من الدهاء في العناوين والتعاليق.. وقد تحقق لها!

هل يعقل أن يكون كاتب هذا المقال صادقاً في دعوته المؤرخين والمثقفين إلى الرد؟

هل صحيح أنه، مع كل الدهاء الذي صاغ به بحثه، لم يجد ولا تعليقاً واحداً يشكك به في دعاوى الصهاينة؟

 ما هذا الذكاء الخارق في إقامة حجج الصهاينة، وحسن الاستماع إليها والغباء القاتل في اجتلاب الحجج الإسلامية؟

 لا يعقل أن تكون عند الباحث غيرة على القدس وهو لا يجد لفظة واحدة يرد بها دعاوى متهاوية من تلقاء نفسها.

1 ـ إن حديث الباحثة عن الإجماع العاطفي للمجتمع الإسرائيلي حول القدس أشبه ببيان مطلبي منه بوصف واقع قائم، تقول:

" فالمسألة تحظى بإجماع جميع شرائح المجتمع الإسرائيلي إلى درجة يمكن معها الجزم بأن مستقبل القدس هو قضية إسرائيل رقم واحد، وهو أمر مثير لأن هذا المجتمع قلما يتفق بشكل جماعي وكلي في شأن قضية معينة. ففي حين تختلف الرؤى الإسرائيلية حول طبيعة السلام مع العرب، وضرورة التخلص من الأراضي المحتلة، ومفهوم الأمن الوطني ومسألة الحدود وأمور أخرى مهمة بالنسبة لمستقبل الدولة والمجتمع والشتات اليهودي، نلاحظ التحاما روحيا وماديا بين فصائل المجتمع اليهودي في شأن المدينة المقدسة".(الفقرة الثانية من المقال).

هذه عبارة للباحثة تقوم بها المسألة والخلاصة التي نتوخاها عادة من مثل هذه العبارة هي إشعار الطرف الآخر بأنه لا جدوى من محاولته. إن مثل هذا الوصف لا يمكن أن يصدر عن تحري الواقع بل عن الرغبات والآمال والنشوة الطائفية.

في الوقت الذي يحاكم فيه الصهاينة ويطاردون كل من يشكك في أساطيرهم. نأتي بشكل مجاني لنشكك في حقائقنا عن طريق "يقولون": في الإسراء والمعراج، يقولون عن صلاح الدين الأيوبي، يقولون ما ينقص كل كبير..الخ

ماذا تطلب الباحثة من المؤرخين والمثقفين؟ أتريد منهم أن يثبتوا الآن بعد أربعة عشر قرنا أن الإسراء والمعراج حق وصدق استجابة لاستفزاز الصهاينة؟ هل تريد أن نخرج صلاح الدين من قبره لنحاكم نواياه؟ هل تريد .. ماذا؟

إن ما تقدمه لا يتطلب أجوبة، فهو من باب القدح في حضارة أمة مكلومة بطريقة ملتوية.

مهما كان البلاغي نصيا فإنه يصل أحيانا إلى مفارقات تجعله يتحرق إلى معرفة خلفيات الخطاب ومرجعياته. أتمنى أن يتمكن غيري من رؤية ما وراء الأكمة.