مقالان

في رد المفاهيم المؤسسة لكتاب [الواقعي والخيالي..] للأستاذ حميد لحمداني.

        1 - النقد غير المألوف  في الواقع والخيال.

2  -  الواقعي والخيالي" في البحث  العلمي

ـــــــالمقال1 ـــــــ

النقد غير المألوف

في الواقع والخيال

(نشر ب"الملحق الثقافي" لجريدة الاتحاد الإشتراكي. بتاريخ 30/10/1998. العدد 529 )

 

                          أ ـ مدخل عام

أ.1 ـ الحاجة إلى المتابعة

صدر منذ وقت قصير كتاب للأستاذ حميد لحمداني بعنوان: الواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم (العصر الجاهلي). يتكون الكتاب المذكور، بالنظر إلى مشروعه ومُنجَزه،  من قسمين منفصلين انفصالا بائنا على مستوى الطموح المنهاجي. يضم القسم الأول تقديمَ الكتاب والفصلَ الأولَ منه، ويضم القسمُ الثاني الفصل الثاني والثالث. يستند هذا التقسيم، كما ألمعنا، إلى كون القسم الأول ينتقد النقد "المألوف" ويقترح بديلا له، في حين نجد القسم الثاني يصالحه ويستعين به ثم يعتمده مكتفيا بعرض نصوصه و لحمها بجمل تمهيدية بسيطة[1]. و ما دام الذي يشغلنا في البحث العلمي هو الإبداع والبدائل فسنهتم أكثر بالقسم الأول، أي بالمشروع. وقد يهتم غيرنا بانسجام العمل ككل.

 بدأت كتابة هذه المحاورة يوم اطلعت علىالكتاب، منذ أكثر من شهر. ثم وضعتها جانبا، ثم  أعادني إليها إحساس قوي بأنه يقدم تصورا غيرَ سليم ـ من وجهة نظري ـ عن النقد العربي، ويحكم حكما غير منصف على جهود النقاد العرب القدماء والمحدثين. وقد زادَ الأمرَ حساسيةً كونُ الكتاب بطبيعة موضوعه موجها إلى الطلبة ومن في حكمهم. وهذه الفئة ميالة، بطبيعة تكوينها العلمي وظروفها الصعبة، إلى الاختزال المبسط، بقدر ما هي ميالة إلى شعارات التجاوز والبدائل دون فحص. وقد استعملت هنا كلمة "إحساس"، وهي ضعيفة، وذلك عن قصد تاركا للقارئ حق تصديق هذا الإحساس أو تكذيبه بالعودة إلى الكتاب نفسه للتأكد مما سأشير إليه في حدود ما تسمح به هذه المقام.

وفي هذا الأفق، واحتراما للقراء الذين يأنفون من السجال الذي ينتهي في الغالب إلى حوار الصم، سأخذ وأعطي. أي سأستمع إلى الكتاب يقدم نفسه بدون بتر أو تقوُّل أو تقويل،  وسأسمح لنفسي، بعد ذلك، بتقديم الرأي الآخر . فإن لم تكن مساهمتي تصحيحا لأخطاء، كانت  تعريفاً بأشياء إضافية. ولن يخرج القارئ خاوي الوفاض بحول الله. إن من المؤسف اليوم أن النقد لم يعد يساير التراكم العلمي، وأصبح المثقفون في بعض الحالات مثل الموظفين في هيئة واحدة؛ شعارهم "التساكت"، حتى ألهانا التساكت عن التصريح بآرائنا. وأصبح القارئ يستهلك كل شيء بدون أي محاكمة.

أ.2 ـ طبيعة البحث

بقطع النظر عن عمليات إعداد النصوص و التأريخ للقضايا العلمية، هناك، على الأقل، استراتيجيتان للعمل العلمي المفترض إنجازه في المجال الجامعي في العلوم الإنسانية:

أ . 2 . 1 ـ هناك أعمال تتوخى التيسير و التوصيل، ولها قيمتها حين تحترم الضوابط العلمية و البيداغوجية، ومن الأكيد أن الكتاب لا ينتمي إلى هذه العينة، بصريح لفظه كما سيأتي.

أ.2.2 ـ وهناك أعمال تنتمي إلى الاجتهاد قصد الإبداع في المجال النظري، وهي تعمل في واجهتين، على الأقل:

أ.2 .2 .1) تطوير نظريات موجودة و تكميلها وتحصينها بتضييق مجال الشذوذ، أو تقنينه بدوره  باعتباره من تخوم النظرية، كما هو الحال في النحو.

أ.2.2.2) مراجعة النظريات (ووجهات النظر) القائمة في موضوع ما، مراجعةً نقديةً، وتقديمُ البديل أو البدائل الممكنة، أو اقتراح قراءة مخالفة تستجيبُ لشروط جديدة في حوار بنَّاء مع القراءات الأخرى. قد يكون البديلُ اجتهادا شخصيا، وقد يكون تطبيقا لنموذج نظريٍّ قائمٍ في ثقافة أخرى، والأمران مشروعان ومفيدان، لاشك في ذلك.

إن الكتابَ الذي نحاورُه في هذه المقالة يضع نفسَه ضمن النوع الأخير، أي ضمن الكتب التي تقدم بديلا جديدا غير مألوف لوجهة نظر مألوفة اعتمادا على اقتراح نظري موجود في ثقافة أخرى.

هذا أمرٌ صريحٌ منذ البداية. يقول المؤلف معلقاً على المنهج المتوخى: "واختيارُ تطبيق كل هذا على الشعر العربي الجاهلي بالخصوص جاء بدافع إعادة النظر في هذا التراث الغني بالعطاء من زاوية نظر أخرى ليست هي بالضرورة نفس زاوية النظر المألوفة في نقد الشعر العربي القديم"[2].

و مرد الاعتراض، كما سنفصل لاحقا، إلى أن "الفكر النقدي العربي والحديث [هكذا][3]" على السواء "لم ينفصل" "أبداً" عن التصور المقصدي، "لقد نُظر دائما إلى الشاعر العربي القديم ـ على أنه مُبَلِّغ رسالة محددة"[4]. فهذا نص كلام المؤلف وهذا "النقد المألوف" هو المُحاكَمُ في هذا الكتاب.

سأحاول، مناقشة بعض التهم الموجهة إلى الفكر النقدي العربي القديم خاصة، ومن المعلوم أنه فكر بلاغي في المقام الأول، كما أن القضايا التي يعالجها المؤلف هي قضايا بلاغية شعرية عند القدماء والمحدثين من العَرب والعَجم، على حد سواء،  وسيرد ما يؤكد ذلك ويجليه. ثم أعطي الكلمة لواحد من المحدثين خاض في جوهر المسألة باعتباره نموذجا للفكر النقدي الحديث غير المنصاع لسلطة "المقصدية". وتلافيا لكل سوء تفاهم سألتصق بالنص في نسقه.

ب ـ التهمة الرئيسية: المقصدية

ينطلق الكتاب ـ كما سبق ـ من مقولة أساسية هي هيمنة المقصدية، على النقد الأدبي الذي تناول الشعر العربي ونظَّر لجماليته، وهذا مطلع الكتاب ومدخله:

"احتلت المقصدية ـ دائما ـ جانباً مهما في نظرية الأدب، ونُظر إليها باعتبارها أمراً مخطَّطا له في ذهن الكاتب، ومن ثم فالجانب الأدبي في الأدب لا يعدو أن يكون مجرد وسيلة مساندة للأفكار الجاهزة التي يريد الشاعر أن يوصِّلها للناس. ويَفْترضُ القولُ بالمقصدية أن ننظر إلى الأدب كلغة تواصلية، حتى وإن لم ننفِ عنه استخدام الوسائل المؤثرة التي دعاها جاكبسون الوظيفة الشعرية. الإلحاحُ على المقصدية يجعلنا في جميع الأحوال نعتبر كل الوظائف الأخرى [EOM1] للغة الأدبية موجَّهة لخدمة توصيل الأفكار الماثلة سلفا في ذهن الشاعر. فوسائل التخييل يُنظر إليها على أنها لا تضيف أي شيء زائد على ما فكر فيه المبدع".[5]

هذا النص عبارة عن أطروحة عامة يرتب الباحث عليها النتيجة التالية:

"الأدب إذن ـ من هذا المنظور ـ حامل مقصدية المبدع وموصلها إلى القارئ بوسائل التأثير المناسبة، ولذلك تكون صورة المتلقي في أقصى درجات السلبية لأنه مستقبل المقصدية وواقع تحت الرسالة الإبلاغية، وليس أمامه إلا أن يفتح ذهنه ليفهم ويستوعب، ويحرك إحساساته ليتمتع وينبهر[6]". و "الفكر النقدي العربي والحديث" لا يخرج، كما سبق، عن هذا التصور المقصدي السلبي.

و للخروج من هذا المأزق المقصدي يصوغ المؤلف "فرضية" مخالفة يراها جديدة، هي اقتراحه النظري الجديد الذي سيُقوِّم به أَوَدَ النقد العربي: "وسيكون مؤداها [حسب لفظه] كالتالي :

"نتصور أن الشاعر حين يحس بأنه مدفوع  بوازع غامض، في الغالب، إلى التعبير عن أشياء وأفكار..بطريقة أدبية، أن هذه الأشياء والأفكار لا تكون  أبدا واضحة المعالم في ذهنه، أو أن التعبير اللغوي العادي عاجز عن تجسيدها، و لذلك فاللجوء إلى اللغة الأدبية يعني أننا نريد أن نبحث لما نحس به عن تجسيد يلائمه ويبلوره بصورة أفضل […] وهو ما يعني أيضا أن ما حصلنا عليه من التجربة الأدبية التي خضناها شيء يتجاوز بالضرورة ما كان لدينا قبل التجربة نفسها حين نختار جميع الوسائل التخييلية الممكنة ونؤلف بينها"[7].

و الآن بعد هذه النصوص الجازمة في حكمها بأن الفكر النقدي العربي و الحديث ينظر إلى وسائل التخييل "على أنها لا تضيف أي شيء زائد على ما فكر فيه المبدع " بوعي و واقعية، نتساءل:

* هل الفكر النقدي العربي والحديث فكر مقصدي على الإطلاق، أم هناك مذاهب واجتهادات وتصورات مختلفة؟

* وهل البديل المقدم "فرضية" حقا أي شيء جديد يستحق الفحص؟  أم هو من باب السماء فوقنا؟

نظراً لأن مناقشة حدود المقصدية وطبيعتها في إطار حواري يستدعي حتماً مُحاورَها ولا أقول نقيضها، أي التخييل الشعري، ونظرا إلى أن النظرية التي يزمع المؤلف تطبيقها تنتقد الطرفين ، أي التطرف المقصدي والتطرف الخيالي الذي يهم ما بعد الرومانسية، فإننا سنتناول المسألة بالنظر إلى وجهي العملة:

ج ـ تفاعل الواقعي والخيالي في الشعرية العربية القديمة

من المعروف أن أول شروط مُحاكمة عادلةٍ هي الاستماع إلى المتهم أو من ينوب عنه إذا حُوكم غيابيا. والذي وقع أن الفكر النقدي العربي قديمه وحديثه غائب غيابا مُطلقاً أثناء توجيه الاتهام، بل لم يُدقَّق حتى في أوراق الميلاد والحياة. فأحرى إقامة الحجة على الموت.

من البديهي، في مجال التنظير العلمي بشكل عام، أن الاجتهاد لغرض الإبداع في موضوع ما لا يمكن أن يقوم على فراغ معرفي بذلك الموضوع، فلابد من الاطلاع على ما تراكم فيه وفهمِه ومحاورته، في أي اتجاه كان: مسايرة أو مخافة. لقد عاب حازم القرطاجني يوماً عملَ أولئك "المتكلمين" الذين يحتاجون إلى معالجة قضية من قضايا تحليل الخطاب القرآني فيأخذون أولَ مرجع في مادة البلاغة، ثم يصبحون من غدهم يُفتون في الموضوع، وشبَّه حالَهم بالشخص الذي "استعار" بعض كتب الطب وقضى ليلة واحدة في مطالعتها قصد معالجة صديق له مريض، ومن غده قدم الوصفة القاتلة. "فكما أن هذا الرجل أصبح جالينوسا من ليلته، كذلك يريد المتكلم في الفصاحة من المتكلمين أن يصبح من ليلته جاحظا وَ قدامة إن شاء!"[8]. إن البلاغة والنقد مثل الطب مبنيان على تراكم لابد من تحصيله قبل التصدي لمعالجة الأبدان والنصوص الأدبية. فكما أن الطب ممتد في الكيمياء وعلم الأحياء..الخ فإن النقد الأدبي ممتد (في بعده البلاغي) في النحو والمنطق وغيرهما من العلوم.

الشعرية العربية هي شعرية التفاعل بين الواقع والخيال. وهذا أمر جلي يقدم نفسه بنفسه سواء من خلال المنطلقات التاريخية أو المقترحات النظرية. وسنجمل هنا مادة تذكِّر العارف، وترشد الطالب إلى مواطن السؤال حتى يتسنى له محاورة الكتاب ببعد آخر غائب عنه، أو مغيب فيه على أقل تقدير 

ج .1ـ الشعر إلهام،

 الشعر صناعة.

إن الوعي الشعري المرتبط بما وصلنا من القصيد العربي قبل الإسلام  كان وعيا ملتبساً بين الواقعي والخيالي، أي لم يكن مقصديا صرفا ولا خياليا صرفا. فالشعر، من جهة، صنعة واعية تقومُ على معاناة العمل مع اللغة والمحيط الطبيعي والإنساني لمد الجسور وخلق العلاقات (ومن هنا وجدنا الحديث عن التحكيك و المحكك والحوليات والتنقيح وعبيد الشعر، و المخشوب والمأشوب والمصقول من الشعر)، والشعر، من جهة أخرى، وحي من الجان أو من القرين الذي يوحي للشاعر، و يُلهمه من القول ما ليس له على بال. هناك قوة شعرية  سحرية تصل إلى تحويل القول إلى قوة مادية فاعلة. لقد تأكد منذ العصر الجاهلي أن الشاعر لا يقول الأشياء المقصدية الجاهزة، بل يقول أشياء قد لا تخطر على بال أحد لأن الشاعر كما استقر عند النقاد والبيانيين فيما بعد هو من يشعر بما لا يشعر به غيره، ويبلوره لغويا (يأتي به). وقد عبر ابن وهب عن هذا التصور أحسن تعبير بقوله: "ولا يستحق الشاعر هذا الاسم حتى يأتي بما لا يشعر به غيره. و إذا كان إنما يستحق اسم الشاعر لما ذكرنا فكل من كان خارجا عن هذا الوصف فليس بشاعر وإن أتى بكلام موزون مقفى"[9].

لا أدلَّ على هذا الاختلاط بين عالم الواقع وعالم الخيال الشعري عند القدماء من  إنشاء قصائد من كلمات فارغة دلاليا مثل: "عن" و "في" و "كم" ومنها نموذج مشهور في ديوان امرئ القيس. ولا نظن أن لها محتوى مخططا له" كما توقع زميلنا الأستاذ حميد لحميداني.

بل لقد خلطوا بين القرآن والشعر والكهانة والسحر لِما لاحظوه من حديث عن الغيوب من جهة، وما لاحظوه في بنائه اللغوي المتميز عن القول العادي، من جهة أخرى. فرفَض القرآن هذه الصفة بقوله: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين". فالقرآن يُلح ، كما ترى، على الإبانة، أي على وضوح المقاصد، لأنه حجة كما ذكر في صلة الآية:  "لينذر به من كان حيا ويحق القول على الكافرين"[10]، يحق القول أي تقوم الحجة. القرآن يرفض صفة الشعر لأنه يعلم أن الثابت في أذهان الناس هو أن الشعر كلام يخالطه الخيال: فيه حكمة وسحر، ولكنه ليس من طبيعة الكلام التشريعي الواقعي الحُجي، فالطبيعتان مختلفتان. ولذلك لزم إبعاد صفة الشاعر عن الرسول.

ج . 2 ـ الغلو والاعتدال

 ذاك هو المهادُ الأولُ للفكر النقدي العربي، و قد ظل فاعلا. بل تأكد مع الخصومة حول المذاهب الشعرية بين أنصار الطبع وأنصار الصنعة بعد أن جرد من أبعاده الغيبية، وأخضع للوصف اللساني والمنطقي. لقد اِدعى جيلٌ من الشعراء المحدثين الاختصاص بالبديع ومكوناته الأساسية: الاستعارة والتجنيس والطباق، واعتُرف لهم بالإكثار منه لدرجة ضياع القصد أحيانا. فقيل لأبي تمام، في مقام المدح: "لِمَ لا تقولُ يا أبا تمام من الشعر ما يُفهم"؟[11] فكان جوابه من مقامه الإبداعي: "و أنت لِمَ لا تفهم من الشعر ما يقال؟" "فانقطع" السائل، أي: أفحم، ومعنى ذلك انتصار منطق الشعر على منطق الخطاب المقصدي. وانقسم النقاد إلى مؤيد لمذهب المبالغة والغموض ومعارض له. ومن المعروف أن أكابر البلاغيين والنقاد مثل قدامة وعبد القاهر الجرجاني أيدوا مذهب المبالغة والغموض فقال قدامة: "إن الغلو عندي أجود المذهبين، وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر والشعراء قديما"[12]. ووصل عبد القاهر الجرجاني، في قمة بنائه لأسرار البلاغة، إلى تمجيد التخييل القائم على الجمع بين أعناق المتنافرات[13]. (و نؤخر الحديث عنه لحين تقديم قراءة أحد المحدثين له. و ذلك لملاحظة كيف يتعاضد القديم والحديث في رفض مقولة الكتاب بلغة واحدة حديثة قديمة وقديمة حديثة، أو لا قديمة ولا حديثة: زيتونة العلم؛ لا شرقية ولا غربية).

ج . 3 ـ الحقيقة والمجاز

المهاد الثالث للفكر البلاغي والنقدي العربي هو مَعيرةُ اللغة والفكر، أقصد وضع النحو وتنظيم الوسائل الحجاجية للدفاع عن العقيدة بالاستفادة من المنطق أي علم الكلام.

إن المعركة بين الشعراء واللغويين أعمقُ من أن تغيب أو تُغيب حين طرح إشكالية المقصدية و التخييل. لقد ضجر الشعراء من محاولة اللغويين إخضاع إبداعهم للمقاييس المستنبطة استقراء من الشائع المعروف، فقال أحدهم رافضا مقاييس النحو في فهم الشعر:

مَا كُلُّ قَوْلي مَشْرُوحا لَكُمْ، فَخـــُذُوا

مَا تَعْرِفُونَ، وَمَا لَمْ تَعْرِفُوا فَدَعُوا[14]

بل من الطريف افتخار أحد الرجاز بأنه يبلغ من التخيُّر و التنخل وتجويد الصنعة ما يجعل اللغوي يجتهد في التماس "قصده" فلا يصل إليه[15]:

وَ أَنَا في تَخَيُّرِي وَجِدي

إِذَا تَنَخَّلْتُ جِيـادَ اَلقـَدِّ

يَلْتَمِسُ النَّحْوِيُّ فِيهَا قَصْدي

إنه ليعلم، إذن،  أن الصنعة تنتهي إلى وضع سنن ليس من نمط السنن الذي يمسك النحوي بخيوطه. كان واضحا في أذهان الشعراء النقاد فضلا عن النقاد النقاد أن جهة النظر تختلف في هذا المجال. واستعملوا في ذلك كلمة النظر نفسها[16]:

لاَ يَنْظُرُ النَّحْوِيُّ فِيهَا نَظَري

وَإِنْ لـَوَى لَحْيَيْهِ بِالتَّحَكـُّرِِ

إن الأزمة بين المكون التخييلي للشعر والقوانين المعيارية المقصدية نحوية ومنطقية هي التي أدت إلى ظهور المجاز في بعده اللغوي (الشامل) والمنطقي (الخاص). عن هذه الإشكالية نشأ "مجاز القرآن" وضرورات الشعر، فمنذ البداية وقف سيبويه عند كثير من الصيغ الملتبسة مما يجوز في الشعر ولا يمارس في الكلام العادي، كما هو معروف فاتحا باب التوسع في اللغة. ثم توالت عمليات تنقيح هذه المباحث الانزياحية حتى صيغت أخيراً مع الجرجاني في مبحثي العدول والنظم، أو البيان والمعاني حسب قراءة السكاكي لعمل الجرجاني. في بداية هذه المرحلة أجابَ اللغويون عن السؤال الذي يطرحُه بيت امرئ القيس:

أَيَقْتُلُنِي وَ المَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي    وَمَسْنُونُةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ!

هذا البيت الذي اكتشفَ الباحثُ "الآن" أن الشاعر "اختار فيه مشبها غير واقعي" كان اللغويون قد أَنَّسُوا به قوله تعالى: "طلعها كأنه رؤوس الشياطين"، وبينوا الطبيعة النفسية غير الواقعية (المادية) للمشبه به فيه. قال أبو عبيدة: "وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان الغول يهولهم أُوعِدوا به"[17]. وقال الفراء في رؤوس الشياطين: "فيه في العربية ثلاثة أوجه: أحدها أن تشبه طلعها في قبحه برؤوس الشياطين لأنها موصوفة بالقبح، وإن كانت لا تُرى. و أنت قائل للرجل: كأنه شيطان إذا استقبحته"[18]. بل إن هذا المثال وما ضاهاه لم يشكل إحراجا حتى بالنسبة للاتجاه البلاغي المحافظ المتمسك بالصحة والوضوح كما هو الحال عند ابن سنان الخفاجي الذي أدرك بحسه النقدي أن مثل هذه النصوص قد تمس بشمول النظرية التي يقدمها، فقال: "فإن قيل: قد مضى في كلامكم أن المشبه به يجب أن يكون معروفا واضحا أبْيَنَ من الشيءِ الذي يشبه، فما تقولون في قوله تعالى في شجرة الزقوم: "إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين". ورؤوس الشياطين غير مشاهدة؟ قيل إن الزقوم غير مشاهد، ورؤوس الشياطين غير مشاهدة، إلا أنه استقر في نفوس الناس من قبح الشياطين ما صار بمنزلة المشاهد، كما استقر في حسن الحور العين ما صار بمنزلة المشاهد..."[19].

هكذا نلاحظ أن المنطلق الثاني للبلاغة العربية منطلق انزياحي؛ يتفاعل فيه الواقع والخيال، أو الحقيقة والمجاز. ومن أهم المباحث البلاغية عند المتأخرين مبحث خروج اللفظ عن ظاهر معناه، فهو صفة تكاد تخترق كل صور البيان والمعاني.

ج.4. التخييل والتصديق

إلى جانب المنطلقات المحلية للبلاغة العربية هناك رافد أساسي و مهم، هو قراءة الفلاسفة العرب لبلاغة اليونان وقد ساهم في توجيه قراءة معطيات الرافدين الأصليين السابقين، وأغناهما بكثير من الأفكار والمواد.

فليس يخفى على مهتم، في هذا المجال، أن الإشكالية الأساسية التي اهتم بها هؤلاء الفلاسفة هي الفرق بين الخطاب المقصدي التداولي القائم على التصديق أي الخطابة وبين الخطاب الاحتمالي القائم على التخييل أي الشعر. وفي هذا الإطار قدم ابن رشد اجتهادات دقيقة في المستوى اللساني للتفريق بين الاستعمال الشعري للغة والاستعمال الخطابي وبين ما بينهما من تداخل و تخارج. فالشعر يستعمل الصور المبتدعة والخطابة تستعمل الصور المستولية المشهورة التي لم تبتذل إلى مستوى الكلام العادي. هذا فضلاً عن تأويل المحاكاة الأرسطية في اتجاه النص العربي القائم على صور المشابهة أي التشبيه والاستعارة والتمثيل مع الاحتفاظ بمستوى ثان للتخييل في الصور التمثيلية وغير التمثيلية مما لا يتسع المقام لشرحه. وقد ظهرت ثمار جهود الفلاسفة في ثلاث صياغات نظرية كبرى: العدول والغرابة عند الجرجاني، ومفهمو التغيير عنه ابن رشد وتكامل التخييل والاستدلال عند حازم القرطاجني، والخروج من دائرة الصدق و الكذب كما سيأتي.

والخلاصة في هذا الصدد أن البلاغة العربية القديمة كانت محكومة بالنص الشعري العربي الذي أنتجها وأنتجته، وهو نص يتفاعل فيه الواقع و الخيال. وقد يكون من المثير معرفيا أن يُصَدِّق باحث يهتم بالمناهج إمكان نشوء فكر نقدي موحَّد مجاف تماما للنص الذي ولَّده. إن هناك ، بدون شك، إكراهات أيديولوجية ومذهبية تتدخل لتوليد اتجاهات مناسبة لها أو  دعمها، ولكن من فضائل العلم والفن الاحتيال على الإكراهات وتجاوزها. ولم يكن الفكر النقد العربي بمعزل عن هذه الإكراهات. و قد كانت سببا في تنوعه وحيويته باختلاف زوايا النظر التي نظرت منها. إذ ظل العنصر الفاعل فيها هو الحوار بين البعدين التداولي (المقصدي) و التخيليي (البديعي). ونقف في الأخير عند مسألة عامة لا يستقيم الحديث عن وجود بلاغة بافتراض غيابها أو عدم الوعي بها إنها مبرر وجود الخطاب الأدب أصلا: الإفادة والزيادة.

 في كتاب الواقعي والخيالي فقرات، لو ترجمت إلى لغات أخرى لسمحت  باستنتاجات غريبة. ربما تخيل من يقرؤها  مستحضرًا السياق الانقلابي الذي وردت فيه، أن الحضارة العربية لم تعرف المبادئ الأولى للفن. لنأخذ "فائدة القول الشعري" مثالا لذلك. قال المؤلف:

 "فالتجربة التخييلية تجعل الشاعر منقادا لاكتشاف شيء جديد لم يكن له وجود سلفا ضمن ما عاشه بالفعل. وإذا لم يكن الأمر يجري هكذا [أي تبعا لتصور المقصديين طبعا] فما فائدة القول الشعري، وما هي ميزته الأساسية عن الوقائع الفعلية؟"[20].

هكذا جاءت هذه الفقرة مبرزة، فهي تشكل بذلك ثمرة  جهد، وخلاصة استقراء وتحليل. وهي في هذا السياق من الثورة على المألوف أساس البديل المنشود. أقول: "مهلا، أبيت اللعن"، إن ما ذكرته يعتبر من بديهيات البلاغة العربية. إن أول عملية قام بها عبد القاهر الجرجاني هي التفريق بين الاستعارة المفيدة وغير المفيدة. مقصيا غير المفيدة من مجال البحث عن أسرار بلاغة الشعر. قال: "وأما المفيد (من صور النقل الدلالي التشبيهي) فقد بان لك  باستعارته فائدةٌ ومعنىً من المعاني، وغرض من الأغراض، ولولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل لك"[21]. و الجرجاني إنما ينظِّر هنا مستفيدا من آراء متفرقة لمن سبقه من البلاغيين ودارسي النص القرآني الذين أكدوا المعنى الإضافي الذي يترتب عن الصور المجازية، وقد كان المجاز يعني في البداية كل طرق التعبير غير المعيارية. ومن تلك الآراء قول الرماني: "وكل استعارة حسنة فهي توجب بلاغةَ بيانٍ لا تنوب منابه الحقيقة ، وذلك أنه لو كانت تقوم مقامه الحقيقة كانت أولى به، ولم تجز الاستعارة "، إلى أن يقول: "ولابد من بيان لا يُفهم بالحقيقة"[22]، لكي يكون هناك مبرر للاستعارة.

 

ج ـ النص المختلف و القارئ الفعال:

تقاطع بلاغتين

حين يتابع المرء عشرات الكتب، بل عشرات الباحثين المحدثين الذين كرسوا نشاطهم العلمي كلاًّ أو جُزءًا لاستكشاف جمالية الشعر القديم في بعدها النصي والتفاعلي (بين النص والذات) لابد أن يحس بكثير من العسر وهو يحاول استيعاب الأحكام المطلقة السابقة التي كنست القدماء و المحدثين بمكنسة واحدة.

في أي موقع نضع أعمال محمد مفتاح، من في سمياء الشعر القديم إلى المشابهة والاختلاف عبر دينامية النص وتحليل الخطاب الشعري ومجهول البيان و التلقي و التأويل ... الخ في أي موقع نضع اجتهادات كمال أبوديب وأدونيس وجابر عصفور و حمادي صمود ومحمد الولي و عبد الحكيم راضي و علي الطل و غيرهم من الباحثين الذين اجتهدوا  في استكشاف جمالية الشعر القديم، أو أبدعوا في تحليل نصوصه؟ في أي موقع نضع العمل التطبيقي الضخم الذي أنجزه محمد النويهي في كتابه الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه[23] و بأي قلم نشطب على أعمال مصطفى ناصف في قراءة النص القديم فضلا عن جهوده البلاغية اللصيقة بالنص القديم في صوره و معانيه. هل يصدق علي هذه الأعمال كلها قول الباحث: "لم ينفصل الفكر النقدي العربي ولا الحديث أبدا عن هذا التصور" (المقصدي)! هل صحيح أن هؤلاء النقاد، ومن على شاكلتهم، نظروا "دائما إلى الشاعر العربي القديم ـ وغير القديم ـ على أنه مبلِّغ رسالة محددة"[24]؟

لا نستطيع أن نعرض آراء هؤلاء الباحثين في هذا السياق، وهي ـ على كل حال ـ متاحة للمجتهدين من طلاب العلم في الجامعات على الأقل. ولذلك سنكتفي بنموذج واحد يمثل بحق التواصل الوثيق بين القدماء والمحدثين في اعتبار الأدب، والشعر على وجه التحديد، حوارا بين الواقع والخيال، ثم بين النص والمتلقي في سبيل توليدٍ متجدد للدلالات. ونظرا لضيق المقام وخوفا من أن يخطر ببال أحد أننا نقوِّل القومَ ما لم يقولوه سنرتبط أوثق ارتباط بالنصوص. سنقف عند كتاب يخوض في جوهر الإشكالية القديمة الحديثة، إشكالية الواقعي والخيالي. ذلك هو كتاب: المشاكلة والاختلاف، قراءة في النظرية النقدية العربية، وبحث في الشبيه المختلف. وهو لمؤلِّف مشهور، هو الأستاذ عبد الله الغذامي، صدر الكتاب في مكان وزمن قريبين (الدار البيضاء. سنة 1994 ).

لو صدر كتاب المشاكلة والاختلاف، ولو بوقتٍ قصير، بعد كتاب الواقعي والخيالي، لما شك أحد في أنه يردُّ عليه وينقضه، بالحجج والأمثلة والشواهد النصية المتلاحقة، ولكن كتاب المشاكلة والاختلاف صدر منذ ثلاث سنوات، كما سبق. لقد وجد المؤلف نصوصا قديمة عند عبد القاهر الجرجاني وغيره تخوض في جوهر إلإشكالية الشعرية نصيا وتلقيا في إطار نسق وبناء متكامل فاخترف منها الأرواح.

إن أطروحة كاتب المشاكلة والاختلاف التي تشغله من أول سطر من مقدمته إلى آخر حرف من خاتمته هي: الحوار التاريخي بين المشاكلة والاختلاف، وكيف يتم التركيب، على المستوى الفني،  في مرحلة لاحقة، بـِ "إيلاف الاختلاف"، أي إنتاج مؤالفة داخل المخالفة، بالجمع بين أعناق المتنافرات، كما قال عبد القاهر الجرجاني. ومنطلق المسألة هو السؤال الأبدي: "كيف يكون النص الأدبي نصا أدبيا"[25]. يقول المؤلف (ع.الغذامي): "هذا سؤال شغل الناظرين في أدبية الأدب، و تأسس عنه علم قائم بذاته هو (نظرية الأدب)، و ليس بمقدور أحد أن يزعم أن هذا السؤال، وهذا العلم شيء جديد مبتكر"[26].

وعليه فإن البحث عن شجرة نسب "للنصوصية" الحديثة لا يجد أية صعوبة ولا يحتاج إلى أي تأويل، ذلك أن "هذا المبحث يدعو لنفسه، و يفتح بابه دون حاجة إلى طرق كثير"[27]. وكرفض مسبق لأي محاولة للإقحام في دعوى المقصدية التداولية والواقع المسبق المتحكم يقول: "و إن كنا نرى أن النص يتأسس على قاعدة "الاختلاف"، فإن هذه القاعدة هي مبدأ نصوصي نجد بذرته لدي الجرجاني ... و لدى آخرين من مبدعين و مفكرين عرب ...وربما تنوعت المصطلحات ولكن المفهوم واحد، ولسوف نجد مصطلحات؛ مثل "المُعَمَّى" وَ "الشَّرود" تتردد في الهاجس الإبداعي، وكلها تهدف إلى كتابة و اصطياد النص المختلف"[28].

"والنص المختلف هو ذلك النص الذي يؤسس لدلالات إشكالية تنفتح مع إمكانات مطلقة من التأويل والتفسير، فتحفز الذهن القرائي وتستثيره ليداخل النص ويتحاور معه  من مصطرع تأملي يستكشف القارئ فيه أن النص شبكة دلالية متلاحمة من حيث البنية، و متفتحة من حيث إمكانيات الدلالة، وبما أنها كذلك فهي مادة للاختلاف"[29].

إن هذا الخطاب ليس ترجمة أو مجرد أصداء للتنظيرات الحداثية وما بعد الحداثية مما عرف به الباحث بل إنها لتقترب عن قصد وبأمانة من نصوص المسار الإبداعي العربي القديم الذي يمثله أكابر العلماء والنقاد والشعراء من أبي تمام وَ المتنبي والمعري إلى عبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني وغيرهم ممن حاوروا اجتهادات الفلاسفة العرب في قراءة نظرية الشعر والخطابة خاصة الفارابي وابن سينا وابن رشد صاحب نظرية التغيير. سنكتفي هنا أيضا بإيراد نصوص للجرجاني مما أستشهد به صاحب المشاكلة والاختلاف مقتطفا من كتاب أسرار البلاغة.

ينطلق الجرجاني في نظريته الشعرية في الأسرار من كون اللغة علامات اعتباطية لا تعبر عن واقـع أو فكر خارجي أو مطلـق بل تأخذ دلالاتها من مواقعها النصية. وفي هـذا المعنى يقول:  "و مما يجب ضبطُه في هذا الباب أن كلَّ حُكم يجب في العقل وجوبا حتى لا يجوز خلافه، فإضافته إلى دلالة اللغة و جعله مشروطا فيها محال، لأن اللغة تجري مجرى العلامات والسمات، ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيءُ ما جُعلت العلامةُ دليلاً عليه و خلافَه"[30].

يترتب عن هذا التصور العَلامي أمران:

ج. 1) أولهما أن منطق البناء العلامي للغة الشعرية (أو منطق النص عامة) غير منطق الواقع. ولذلك لا يسال الشاعر عن تصحيح مقدماته بمقاييس العقل أو الواقع بل بالنظر إلى البناء الذي ابتدأها. "و لا يُؤخذ الشاعر بأن يصحِّح ما جعله أصلا و علةً، كما ادعاه فيما يُبرم أو ينقض من قضية، و أن يأتي على ما صيره قاعدة و أساسا ببينة عقلية بل تسلم مقدمته التي أعدها بلا بينة"[31].

 هذا رأي "الفكر النقدي العربي" القديم، وهاك تعليق النقد العربي "الحديث" عليه على لسان صاحب المشاكلة والاختلاف: "فالشعر يقوم على "الادعاء" ولا يتكئ على البينة العقلية لإثبات دعواه، و إنما البينة فيه تصدر عن مقدماته، وعلاقات السياق فيه ما بين المقدمة والنتيجة والدلالة المتولدة عنها. وذلك لأن الشعر تخييل، وهذه ماهية الشعر. لأن "قياسه "قياس تخييل و إيهام، لا تحصيل و إحكام. هكذا يجزم الجرجاني"[32].

ج.2 ـ وثانيهما دور القارئ في عملية إنتاج المعنى. فالنص المختلف أو المنافر ليس منافرا على الإطلاق، كما تقدم، بل هو منافر في علاقته باللغة والواقع، من جهة، وما استقر أو تألى من الأنساق والتقنيات القديمة (العروض مثلا)، من جهة أخرى، كما يعلم المختصون في الشعرية. ومن المعروف في الشعرية القديمة والحديثة على السواء آن هذه المنافرة هي أحد أوجه العملة، والوجه الثاني، يأتي كالنتيجة، هو مفهوم الغرابة. والغرابة هي نتاج تفاعل المتلقي بالمنافرة أو (الانزياح). لأن "الشيء إذا ظهر من مكان لم يُعهد ظهورُه منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشغف منها أجدر؛ فسواءٌ، في إثارة التعجب وإخراجِك إلى روعة المستغرب، وجودُك الشيءَ ليس من مكان من أمكنته، و وجود شيء لم يوجد ولم يعرف من اصله في ذاته وصفته"[33].

فالغرابة مستويان: مستوى إيقاع الشيء في غير موقعه، و هو المستوى الأدنى، ومستوى الخلق من عدم، وهو المستوى الأعلى.

إن القارئ في المسار الإبداعي الفاعل في البلاغة العربية بعيد عن ذلك المستوى من السلبية الذي تخيله الأستاذ لحمداني، بل إن الصورة التي أوحت بها معاناة القارئ مع المعاني الغريبة المستترة هي  صورة الغواص الباحث عن اللآلئ تزداد سعادته، مع طول المكابدة في سير الأغوار  بحثا عنها، لأن الحصيلة تكون أغنى وأثمن، فهي مكافأة على جهد[34]: ومن نظر بسيط في هذه الصورة نلاحظ، من جهة، أن عالم المعاني بحر، وليس صحراء مكشوفة معلومة على طول المدى. كما نلاحظ، من جهة ثانية، أن الغواص مغامر بحياته، يقتحم المجهول، ويرفض ذلك التصوير الكاريكاتيري المبالغ في البساطة: "تكون صورة المتلقي في أقصى درجات السلبية، لأنه مستقبل المقصدية وواقع تحت تأثير الرسالة الإبلاغية".

إن هذه الصورة  لتذكر بالصورة التي حَضرت ابن جنى في تمثيله لمغامرة الشاعر المبدع مع اللغة. حيث شبهه بالمجري الفرسَ بغير سرج ولا لجام، والمقتحم الوغى حاسراً: يركب المجهول الخطير وهو يعلم أن المألوف المعروف آمن له وأسلم. فالشعر مغامرة مع اللغة و العالم بالنسبة للشاعر. والقراءة مغامرة مع النص الشعري في آفاق متفاوتة التركيب والتعقيد[35].

من الأكيد المعروف أن الجرجاني عدَّل نظريته  بإضافة قيود تداولية تقوي الحوار بين البعد الخيالي والبعد التداولي، وعوض مفهوم النقل بمفهوم الادعاء. وبذلك استوت نظريته في التركيب الدلالي للأدب بما يلائم النص القديم الذي كان ذا بعدين شعري تخييلي وخطابي تداولي.

في هذا السياق حيث يتشابك  الماضي بالحاضر يمكن أن يفهم حديث حازم القرطاجني عن التخييل باعتباره خاصية نوعية للشعر يمكن أن تقوم على مقدمات صادقة أو كاذبة، لا فرق بين الأمرين. 

د ـ  صعوبات منهاجية ولغوية

بقطع النظر عن الخلل المنهاجي الذي سجلناه منذ البداية بين مبتدأ الكتاب ومنتهاه، من المتوقع، إن لم يصل الأمر إلى حد اليقين، أن يجد بعض القراء المتفحصين صعوبة في استيعاب بعض المفاهيم والتراكيب الداخلة في بنية الكتاب. نكتفي بمثالين:

1 ـ فـي مستـوى الاصطـلاح

استعمل المؤلف لفظ  "التخييل و التخييلي". و من المعروف أن هذا المصطلح قديم استعمله ابن سينا و الجرجاني وحازم وغيرهم. فالمفترض في التعامل معه، عند تقديم البديل الموعود، أحد أمرين: إما استعماله بالمتعارف عليه من معناه، والإشعار بذلك، وإما إفراغه وإعادة تعريفه، بحيث يتبين القارئُ الفرقَ الجوهريَّ الذي اقتضى الانزياح عن معناه مع الاحتفاظ بلفظه. وقد أدى إهمال هذين الإجراءين[36] إلى أمرين: 1) استعمال التخييلي بمعنى المخيل و هما مختلفان. فالمخيل وصف للأداة التي تحدث التخييل وقد تكون لغوية أو غير لغوية، و التخييلي نسبة للتخييل الواقع فعلا[37]. وهذه مسألة الاختلاف في شأنها هين، و إنما ذكرناها لارتباطها بالتي بعدها، وهي .2) الاضطراب في  تحديد العناصر المخيلة. فالسرد بديل للتخييل حينا (أي شيء آخر غيره) وهو التخييل نفسه حينا آخر. وقد حدث هذا في صفحتين متواليتين بل في فقرتين متواليتين. قال المؤلف في الصفحة 24: "لا تخلو هذه الأبيات من العناصر التخييلية، ولكن البنية السردية تهيمن عليها"، و استطرد شارحا الفرق بين الأمرين فقال: "فبالإضافة إلى ما قامت به الصورتان المذكورتان؛ وهما(شحم كهداب الدمقس المفتل، وجناك المعلل) من دور في تدعيم بنية التخييل، قصد الإسهام في تهميش الواقع وفتح أفق للخيالي، هناك عامل الانتقاء الذي قام به الشاعر من العناصر التي يفترض أنها تمثل الواقع، حيث ركز على عناصر بعينها وأهمل الباقي". فالتخييلي إذن هو ما يرجع إلى الصورتين البيانيتين اللتين حصرهما المؤلف بين قوسين، والسردي هو ما يتصل بالوقائع المنتقاة. بعد كل هذه البيانات يعلق المؤلف على العناصر السردية بقوله: "لا يمكن النظر إليها إلا على أنها مجرد إلماعات "واقعية" تصاغُ في بنية شعرية سردية(بمعنى تخييلية)"[38]، يهمنا هنا القوسان الشارحان، فهما من وضع المؤلف. 

فقد ورد السردي في سياق التعارض مع التخييلي ثم صار مرادفا له. وهذا يربك القارئ.

2 ـ في مستوى الدقة في التعبير والتفسير

سيصادف القارئ على طول الكتاب جملا و تعابير تفتقر إلى الدقة المطلوبة في مجال التصنيف العلمي من ذلك هذه الفقرة: "إن بنية القصيدة الجاهلية، باعتبارها نموذجا، طرحت إشكال الانسجام والترابط المنطقي على العقل العربي الذي خاض مع بداية الإسلام في مسائل عقلية ومنطقية سواء في نطاق علم الكلام أم في نطاق الفلسفة".(ص105).

المعروف أن الذي خاض فيه المسلمون "مع بداية الإسلام" هو نشر الدعوة ثم الصراع حول الخلافة، بل الذي استقر عند مؤرخي الأدب والحضارة (ابن سلام وابن خلدون) أنهم شغلوا عن الشعر وروايته ، ولم يظهر أثرٌ لاشتغال المسلمين بالمنطق و الفلسفة طوال صدر الإسلام بل والعصر الأموي. و إذا كان المؤلف سيربط هذا الاهتمام ببناء التراجيديا عند أرسطو(ص93)، فإن متى بن يونس الذي هو أقدم من استشهدَ بهم مات في القرن الرابع الهجري(328هـ)، و ما أبعد القرن الرابع عن بداية الإسلام[39].

  لقد اعتبرنا هذا الأمر خطأ تعبيريا و نتمنى أن يكون كذلك. و عند قبوله على هذا الوجه، يكون المقصود ببداية الإسلام هو عصر التأليف والترجمة، أي القرن الثالث والرابع، و على هذا الفرض سينتقل الاختلاف مع المؤلف إلى مستوى تفسير الظاهرة نفسه. فنحن نرى أن ربط الاهتمام بنسق القصيدة بالاطلاع على بناء الملحمة عند أسطو ينطوي على تبسيط و ميكانيكية. فللمسألة علاقة بأدب الكتابة وبلاغة الخطابة أظهرُ وَ أوطَدُ من العلاقة الفترضة بفن الشعر. وهذا موضوع جدير ببحث مستقل.

وفي مطلب الدقة هذا يمكن دراسة بعض سمات الأسلوب الخطابي كالإطلاق والتعميم والقطع. فالقارئ يلتقي في الصفحة الأولى من المقدمة وحدها بهذه العبارات: "دائما"، "في جميع الأحوال"، " ومن الطبيعي"، "مجرد مستقبل"، "الحضور الكلي"، "أبدا"، "نظر دائما إلى الشاعر"، "القديم وغير القديم". هذا فضلا عن بعض اللوازم المترددة هنا وهناك مثل "القصوى" و "الجوهري"  مما  بعثر به القارئ.

و بعد، نتمنى أن تساعد هذه الملاحظات على قراءة الكتاب ومحاورته .


 

بعض المصادر

والمراجع  المعنمدة

 

1ـ الجرجاني عبد القاهر

أ ـ أسرار البلاغة. ت. محمد رشيد رضا. دار المعرفة. بيروت.1981.

ب ـ دلائل الإعجاز. ت. محمد رشيد رضا. دار المعرفة. بيروت.1987.

2 ـ رؤبة بن العجاج.

 مجموع أشعار العرب. سلسلة ذخائر العرب. تحقيق وليم بن الورد. بيروت1979.

3 ـ راضي عبد الحكيم

نظرية اللغة في النقد العربي. مكتبة الخانجي.القاهرة.

4 ـ الغذامي عبد الله

المشاكلة والاختلاف. قراءة في النظرية النقدية العربية وبحث في الشبيه المختلف. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء 1994.

5 ـ لحمداني حميد

الواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم (العصر الجاهلي). الدار البيضاء 1997.


============================================

 

 

ـــــــــــــــــــــ المقال2ــــــــــــــــــــــــ

الواقعي والخيالي"

في البحث  العلمي(!)

(نشر بالملحق الثقافي للاتحا الاشتراكي  بتاريخ )

 

 


1 ـ نقطة نظام

 


قبل العودة إلى محاورة الأستاذ حميد لحمداني في كتابه: الواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم، وفي مقاله المنشور بالملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي ليوم 27/2/98 بعنوان: " الواقعي والخيالي  هل هو كتاب في نقد النقد أم في الشعر الجاهلي"، أود أن أسجل نقطة نظام بصدد طريقة الحوار العلمي وشروطه.

1.1                   ـ لقد حاولت قصارى جهدي، في مقالي موضوعِ  تعقيبِ الأستاذ، وكان بعنوان: النقد غير المألوف في الواقع والخيال، أن أبعد العناصر غير النصية؛ فلم أتحدث لا عن الدوافع، و لا عن الانتماء، و لا عن دلالة ما سجلته على عمله من اعتراضات علمية من وجهة نظري. وكنت أتوقع أن يسلك الزميل المحترم نفس الطريق حتى يكون الحوار بيننا في الملموس غيرَ مشوش باعتبارات غامضة  لا شأن للقراء بها. و هي لن تبرر لأي منا، على كل حال، أن يخل بشروط البحث العلمي ومقتضياته. و إني لمتأسف حقا ألا يجد ذلك المسلك صدى عند الباحث المحترم، بل أثار ما لا يمكن أن يتوقعه من قرأ مقالي بهدوء.

 قبل الخوض في الجوهر، ومحاولة  مني لرد القطار إلى السكة أدعوه إلى تصحيح أمرين:

أ ـ لست أدرى كيف استنبط الباحث من مسألة إبستمولوجية تتعلق  بتطور الفن عامة والشعر خاصة "محاولة للنيل من شرف انتمائه" بـِ "التلويح بالتهم الكبرى"؟!!. ودون أن أثقل على القارئ بإعادة الفقرة المقصودة، فهي متاحة، أعيد توضيح الفكرة فأقول، وأجري على الله: الذي قلته بعبارة موجزه هو أن النص ينتج بلاغة، والبلاغة تنتج نصا في حوار تاريخي داخلي وخارجي أي بين مكونات الفن وفي علاقته مع المحيط، ولذلك يصعب أن نتصور نصا يُنتج بلاغة موحدة مضادة له، كما وقر في ذهن الباحث. وحين ننتهي من تقرير هذه المقدمة التي صارت بعد الشكلانيين من المسلمات نستحضر، نحن العرب، قضية الإعجاز، ونستحضر، مع غير العرب، قضية الواقعية الاشتراكية (مثلا) حيث تدخلت اعتبارات مذهبية وأيديولوجية لإنتاج بلاغة مجافية للنص الشعري، وهو الذي يهمنا هنا. حين استحضرنا هذه الظرفيات اعتبرناها إكراهات عابرة لا تخص الشعر بل تعم الفنَّ والعلمَ. وحين قلنا العلم استحضرنا محنة سقراط وجاليليو. فقد تلت هذه الأحداث ردودُ فعل تصحيحية، عنيفة مباشرة حيناً، وهادئة بطيئة حينا آخر. هذا هو معنى قولي: "إن هناك ، بدون شك، إكراهات أيديولوجية ومذهبية تتدخل لتوليد اتجاهات مناسبة لها أو دعمها، ولكن من فضائل العلم والفن الاحتيال على الإكراهات وتجاوزها".  فهل هذه صيحة على الأيديولوجيا أم صيحة على الأستاذ لحمداني؟ أما الانتماء فهو جهاد وتضحية، مجال المحاسبة والجزاء فيه غير هذا المقام.

ب ـ أما لماذا لم أكتب عن أعمال الأستاذ قبل اليوم(؟) فالمسالة في منتهى البساطة والموضوعية. ألم يقل هو نفسه، في صلب مقالته، بأن اختصاصي هو البلاغة؟ هل كان يريد مني أن أتحدث في الرواية والسرديات أم في كتابة المرأة؟! سأكون، إن فعلت، كابن اللبون الذي لُـزَّ في قرن مع الفحول فلم يستطع صولة البزل القناعيس، فرفسوه عدة مرات وظل معلقا بين الأرض والسماء. تخصصي، كما تفضلتم، هو البلاغة ثم الشعر القديم، إن سمحتم. من دخل هذه المنطقة سلَّمتُ عليه ورجوت أن يرد التحية بأحسن منها أو مثلها. أتمنى أن يكون اللبس قد رفع في هذه المسألة أيضا. ولذلك فالأمر لا يتعلق بصحوة مفاجئة بل بوقوف المرء عند ما يحسن. وقديما قيل نظما: (إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع). و إذا كان الأستاذ يلح علي في تناول أعماله السابقة، و وجدتُ الاستجابة لطلبه مما يخدمُ العلم وأهله وهو منهم فكل ما أستطيع تقديمه له أن أفحصها من جانبين: جانب الانسجام المنهاجي وجانب اللغة والعبارة ولي في هذا المستوى رأي، على شرط ألا يعاتبني على إهمال الجوانب الأخرى الداخلة في صلب اختصاص السرديين، لأنهم إن ظفروا بي أسير وسطهم كالأعمى ضربوني على الوجه والقفى ضرب غرائب الإبل، وأنا الجاني على نفسي وقتها. هذا سبب امتناعي عن الكتابة في السرديات والنسائيات أيضا، فمعذرة.

ج ـ نحن نفتح معكم و مع زملاء آخرين تناولوا البلاغة والنقد والأدب القديم عهدا جديدا للحوار حول ما أنجزناه أو أنجزتموه، وسيطول بحول الله، إن سارت الأمور على ما يرام، خدمة للعلم، حتى يذهب الزبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس. فلنتسلح جميعا بالصبر وسعة الصدر، والتزام حدود الأدب في المخاطبة، ومن شروط ذلك الالتزام بالوقائع والنصوص و تجنب استعمال العبارات الخطابية من مثل: "فبأي شيء سيدافع عن نفسه أمام المثقفين؟"(ص4ع2)  وَ "فلتسمح لي أن أقول لك أمام القراء.."(ص4ع4). وَ"وأنا لا أريد أن أُعْنته الآن لأن كتاب إيزر هذا غير موجود في السوق المغربي حسب علمي"(نفسه). فشرط الحوار العلمي أن يبقى الكلام مع الكلام لا مع المتكلم. بل نطمح إلى تحقيق مبدأ التعاون، ولن يتم ذلك إلا بترك مسافة كافية بيننا وبين ما نُصدره من كتب. لأن مثل هذا الخطاب القائم على التحريض والرجم بالغيب إن لم نقل المغالطة متاهة بدون نهاية وآفة من آفات العلم[40]. فلو أن وزير التجارة هو الذي قال: "لا يوجد هذا الكتاب في السوق المغربي حسب علمنا"، لما أثار كلامه أي اعتراض. لأنه يعني أن الكتاب لم يُسوَّق رسميا، وقد يكون في السوق عن طريق الاستيراد الشخصي أو التهريب. أما الأستاذ لحمداني فاستعماله لعبارة: "حسب علمنا" استعمال غير مناسب في التخاطب العلمي لأنه لا صفة له في مجال تسويق الكتب في المغرب: لا هو في الجمارك و لا في مكتب الصرف و لا في وزارة التجارة و لا في قسم محاربة التهريب. والمناطقة يعرفون جيدا طبيعة هذا الخطاب. ومع ذلك أشكره على أن له نية عدم الإعنات، فالأعمال بالنيات، وذلك برغم أن عبارات من مثل: أقول لك أمام كذا، وَماذا تقول لهذا وماذا تقول لذاك فقد خلقت لدي رهبة يوم الحساب!

لهذا سأضرب صفحا عن كل العبارات الخارجة عن حدود الحوار العلمي وهي كثيرة مع الأسف، وسأدخل في مناقشة القضايا التي أجدها جوهرية مما أثاره المقال:

2 ـ الاختزال والبتر والخروج عن الموضوع

أخذ علي المؤلف اعتماد المقدمة والفصل الأول في مناقشة مشروعه مع إحالات قليلة على بقية فصول الكتاب التي سماها فصولا تطبيقية، واعتبر هذا اختزالا وبترا، ورتب عليه هذا الاستفهام الإنكاري: "و هل يكون في الإمكان أن يناقَش "مشروع" كتاب ما بالاعتماد أساسًا على مقدمته؟ وكيف يجوز الفصل في "المشروع" بين جانبه النظري و منجزه التطبيقي، وإيقاع الإحالات يبين أن 98 صفحة من الكتاب لم تمسسها الدراسة، مع العلم أن مجموع صفحات الكتاب هو 124 صفحة"[؟!] (ص4ع1). واستنتج من هذا أني بترت الكتاب، ثم خنت الأمانة العلمية بتقسيمه إلى قسمين(نفسه).

 2 .1 ـ العلم اختزال

إن تقسيمي الكتاب إلى قسمين قراءة خاصة بي لا دخل للأمانة العلمية فيها، خاصةً وقد أوضحت أمرين: أولهما أساس التقسيم (الثورة على "المألوف" ثم الاستسلام له )، وثانيهما التنصيص على  مكونات تقسيم المؤلف كما هي: وهكذا قلت بأن القسم الأول يضم، في نظري، أنا، وعلى مسؤوليتي المقدمة والفصل الأول، ويضم القسم الثاني الفصل الثاني والثالث، وما زلت أقول وأأكد. فكيف أراد المؤلف إلغاء "القارئ" أي العبد الضعيف، لصالح نصه؟!. إن من حق الباحث في أي ميدان أن يقطِّع الواقعة المدروسة حسب التقسيم الإجرائي النافع في نظره، ما دام يستوعب الظاهرة ولا يلغيها. فأنا لم ألغ أي جزء من الكتاب عندما قسمته إلى قسمين. و بعبارة أخرى فإن تقسيمي مجرد قراءة تنطوي علي حكم صريح بعدم انسجام الكتاب على مستوى الطموح العلمي ويمكن لغيري أن يقسمه غير تقسيمي، ويقومه غير تقويمي. فإذا اعتبر الأستاذ هذا الأمر اختزالا فهو مصيبٌ حقا؛ لأني انتقلت من تقسيمه الرباعي إلى تقسيم ثنائي. إلا أن هذا الاختزال، وهو شكل من عدة أشكال، ضروري لقيام نظرية علمية. بل هو ضروري لعملية الإدراك وتكوين التصورات كما يعلم علماء النفس. النحو اختزال للغة، والعروض اختزال لأوزان الشعر، و أورجانون أرسطو اختزال لمعارف ضخمة ملأت الساحة اليونانية قبله. والمقولات اختزال لشتات المُتحققات. فالمسألة ليست مسألة صفحات نعدها عدا (88 وَ 124)، وليست المسألة مسألة أسماء نحصيها فنقول: ذكرتُ فلانا وذكرتُ فلانا من النقاد إلخ فالمفروضُ في الكتاب الذي يحمل مشروعا ويختبر فرضيةً أن يكون  متماسكا مثل البناء. و أن تكون أعمدته قوية على أساس صلب. و إلا تهاوى مع أول هزة. و عملي أنا، كما حددته في المقدمة، هو النظر في الأساس الذي بني عليه الكتاب وهو موجود في التقديم وبداية الفصل الأول. فأنا لم أتجاهل من ذكرتَهم وأعدتَ ذكرهم بدون موجب في المقالة، ولكني سجلت وجود مفارقة بين تغييبهم حين إصدار االحكم في القسم الأول وتوسُّدهم في القسم الثاني، أما اِعتماد مجرد الذكر فلا يدفع الخللَ الذي سجل في حق النسق. فهذا السلوك نفسه؛ أي تجاهلهم عند إصدار الحكم العام ثم الاعتماد عليهم لإثبات  ما نزع منهم أو عنهم هو الذي قسم الكتاب قسمين. وتقديري أن ليس تغييبي لهم هو المحرِج بل استحضارهم والتنبيه إلى شرودهم داخل الثورة المنهاجية للقسم الأول، فهذا الخلل في النسق هو الذي قصم ظهر الكتاب، واقتضى منا تقديم الحق على محاباة الأحباب.

ولم نتعرض لإيزر ولا لنظريته لأننا نؤمن بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يتعلق حق بذمتين. فليس لدينا ما يثبت أن إيزر أصدر حكما بمقصدية الفكر "النقدي العربي والحديث"، و أنه اعتبر تفاعل الواقع والخيال فرضية جديدة على الفكر النقدي العربي والقديم. فهذا هو موضوعنا. أما هل فُهم إيزر وهل تُرجمت ألفاظه بما يناسب فشأن آخر جدير بالدرس، ولكن الباب يحرز كما يقول القدماء.

ورأيي أن أحسن ما نقدمه للطلبة والتلاميذ اليوم هو أن نعلمهم كيف يختزلون: كيف يفلتون من جاذبية المنجز، عبر سؤال المفترض والممكن. إن الكتاب الأصيل جواب عن سؤال صريح أو ضمني. غير أنه يحدث في اللحظات الانتقالية أن يكون السؤال نتاج مثاقفة قوية بين أطراف غير متكافئة (ذاتيا أو حضاريا) فيختل المنجز. وليس هذا التحليل من وحي هذه اللحظة، بل كتبت في شأنه مقالات تحت عنوان: البلاغة العربية وأسئلة التاريخ منذ سنتين[41]. وهو ينطبق على علاقتنا الحالية بالثقافة الغربية كما انطبق قديما على علاقة قدمائنا بالثقافة اليونانية، ولعله ينطبق على علاقة الغرب بثقافتنا في عصور ازدهارها. وقد برهن الفارابي وابن سينا ثم ابن رشد على أن الطريق السليم للحوار الحضاري هو طريق الاختزال المقولي لاستنباط الكليات التي يمكن أن تفسر الإنجازات المحلية. والباحث الذي لا يسلك هذا الطريق، أو لا يستطيع سلوكه سيبقى كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، كلما حفر شبرا في أرض استبطأ الماء فانتقل إلى أخرى فيتسرب إليه ، في نهاية المطاف، وهم امتلاك كل الأرض التي "قشرها"، إن لم يأت عليه اليأس.

 

2 ـ 2 ـ الواقع  و التخييل   و الخيال ؟

أخذ علي الباحث المحترم أني أنسب الخيال إلى النص الشعري في حين يجعله هو في ذهن المتلقي، وهو صادق فيما نسبه إلي، بقطع النظر عن مصدر الفكرة؛ إيزر أو غيره، و بقطع النظر عما إذا كانت قد فهمت و ترجمت ترجمة سليمة أم لا، كما سبق. الواقع، في نظري، أن الكتاب حائر بين المفهومين: مفهوم الخيال المقابل للواقع في الشعر(هكذا)، وهو مدار الإشكال في إطار نظرية الأدب، وف إطاره صدر الحكم، والخيال في المقترح المنسوب لإيزر، وهو الذي يجده الباحث في الذهن، ولنا فيه رأي كما سيأتي.  

 المعنى الأول: الخيال المقابل للواقع، وهو المهيمن فهو موجود 1) على العتبة ومكتوب في عقد الزواج بين المؤلف وكتابه، موجود في العنوان: "الواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم". "في" تعني المكان، والشعر العربي القديم لا يعني ذهن المتلقي، بل يعني النصوص. ونظرا لأن العنوان هو باب الكتاب فقد أخذنا بصريح لفظه و دخلنا منه. و لو قال المؤلف: "الواقعي والخيالي في تلقى الشعر العربي القديم" لاختلف الأمر. ففي هذه الحالة سنستحضر النص والقارئ ، 2) و هذا المعنى الموجود على العتبة المنقوش على باب الدار هو الذي يتلاءم مع حديثه عن المقصدية في مقدمة الكتاب. فالمقصدية مصطلح له مرجعيته النظرية وله متنه النصي الخاص. المقصدية مصطلح تداولي ينتمي إلى اللغة الواصفة، ويهتم بالوظيفة التواصلية للخطاب، وهي تتحدث عن سلم متفاوة الدرجات يمتد من الهيمنة المطلقة لـ "المتكلم الذي يصدر أمره فينفذ، إذا توفرت شروط، بدون تردد مثل الأوامر الدينية والعسكرية"[42]، وهذا الاتجاه "ميكانيكي"  يتعارض مبدئيا مع الوظيفة الشعرية.  وهو الذي هيمن على تصوركم حين الحكم على الفكر النقدي العربي والحديث. والقطب الآخر المعارض له هو الذي يعيد الاعتبار إلى المتلقي، وبلغ أقصى درجات التطرف "في أبحاث  تجعل المتكلم لعبة في يد متلقيه"(نفسه). وكان من شروط تحصين هذين المفهومين للدخول فيهما أو الخروج منهما الإشارة إلى الحد الأدنى للقصدية الذي يميز اللغة الإنسانية، والحد الأدنى المفترض في الفن لكي ينتمي إلى اللغة، مهما خفي هذا المستوى. ولهذا فإن استعمال "المقصدية" للدلالة على "الفكرة" المجردة في مثل قولكم: "لنفترض أن "المقصدية" هي الإخبار بجيش مسلح جيدا، وأن هذه الفكرة كانت واضحة في ذهن الشاعر"(ص6)، لا يبدو دقيقا.

 هذا، ثم إنك حين تتحدث بصريح العبارة في  "التقديم"، أي المدخل الثاني للكتاب، عن المقصدية تتحدث عنها في إطار"نظرية الأدب" (ص3)، هل في هذا تقَوُّلٌ أو تقويل؟ ألا تجعل المقصدية نقيضا للأدب في قولك: "احتلت المقصدية ـ دائما ـ جانبا مهما في نظرية الأدب، ونظر إليها باعتبارها أمرا مخططا له في ذهن الكاتب، ومن ثم فالجانب الأدبي في الأدب(كذا) لا يعدو أن يكون مجرد وسيلة مساندة للأفكار الجاهزة التي يريد الشاعر أن يوصلها للناس".(ص3).

هذا التصور الذي يقابل بين الوظيفة التداولية(المقصدية) و بين الوظيفة الشعرية التي سميتموها "الجانب الأدبي في الأدب"! (وأنتم تقصدون، فيما أعتقد، خصوصية الأدب) هو الذي يجافي الحقيقة في الحكم على الفكر النقدي العربي، والبلاغة العربية. وهو الذي يفرض علي بقطع النظر عن كل الاعتبارات الأخرى إعلان رأيي في الموضوع باعتبار الصفة التي كُرِّمت بها "مختص في البلاغة".

ثم إن هذا التصور لا يقف عند عنوان الكتاب و "تقديمه" بل يتعداه إلى الفصل الأول أي إلى مجال التطبيق؛ هذا قول المؤلف في أول فقرة من الفصل الأول: "لقد نُظِر إلى الشعر العربي القديم غالبا كوثيقة تقدم صورة وفية عن حياة العربي في بيئته الصحراوية"(ص13 والتشديد منا). و في مقابل هذا التوجه "الغالب"  وُجدت "بعض المفاهيم الجديدة التي تناولت تعريف الأدب، وخاصة في مطلع هذا القرن أبرز هذه المفاهيم أن الأدب بما في ذلك الإبداع الشعري هو مادة خيالية، بحيث يوضع الأدب في هذه الحالة كشيء مقابل لنقيضه وهو الواقع".(ص13). و من هنا يصل الباحث إلى تصور ثالث وهو: "كون الأدب مادة واقعية وخيالية في الآن نفسه" " بما في ذلك الشعر العربي القديم"(ص13،14). وهل هناك ما هو أوضح وأدق دلالة على أن المؤلف كان مشغولا بقضية الواقع والخيال في إطار نظرية الأدب من قوله: "لقد ظلت فكرة التوفيق بين مكونات الأدب الواقعية و الخيالية من أعقد الإشكاليات التي تطرح على جميع النظريات النقدية".(ص14 التشديد منا). فهذه الإشكالية التي قبلتم بسعة صدر أن تخوض فيها النظريات النقدية جميعا هي التي تضنُّون علي بالخوض فيها، بل تعتبرون خوضي فيها تحريفا لموضوع الكتاب، والحال أني كنت أتوقع أن تكون معاملتي "تفضيلية". أما اقتراح إيزر لحل هذه المعضلة فهو أحد الاجتهادات. فنحن إنما رددنا قولكم بوجود اختلال في النظرة النقدية العربية لهذه المسألة. فإذا لاحظ المؤلف أن أكثر الإحالات موجود بين الصفحة 3 وَ 14 فذلك راجع إلى أن هذه الصفحات هي التي تقدم الإشكالية والمقترح[43]. فالكتاب يعالج قضية الواقعي والخيالي في إطار النقد ونظريات النقد، ونظريات النقد تعالجها بالطريقة التي عالجناها بها، ولا يجوز ذبحها باقتراح عارض، لعام "مجتهد"، ليس الأولَ ولن  يكون الأخير حتى وإن نعت باجبروت.

بعد هذا نلبي رغبة المؤلف وننتقل إلى الفصل الأخير من الكتاب لنرى هل سيُسعفُ المؤلفَ في دفع صفة نقد النقد عن كتابه أم سيؤيد قراءتنا. عنوان الفصل الثالث هو: الافتتاح في بنية القصيدة العربية. وفي الحاشية(ص89): "اعتمدنا في هذه الدراسة أساسا على باب المبدأ والخروج والنهاية من كتاب العمدة لابن رشيق (390 ـ 456) المحال إليه (كذا) لاحقا، على أننا توسعنا في الموضوع بما يحيط ببعض جوانبه الأخرى". ثم تتوالى أسماء النقاد وآراؤهم من ابن طباطبا إلى ابن الأثير عبر الحاتمي وابن قتيبة وابن رشيق، مع الوقوف عند عمل الفلاسفة في قراءة بنية التراجيدديا عند أرسطو تفسيرا للاهتمام ببناء القصيدة. يستمر هذا الحديث إلى الصفحة 105 أي ست عشرة صفحة، ثم يمهره المؤلف بالصفة الناسبة قائلا: "هكذا جهد أغلب النقاد العرب لإضفاء طابع الوحدة العضوية على القصيدة العربية، ولم يكن بين أيديهم أنجع، في هذا المقصد سوى(كذا) االتنظيرالأرسطي". دعكَ من سبك العبارة، ودعك من أرسطو، وقلْ لي: أليس هذا هو نقد النقد؟ تعرض آراء النقاد وتحاول مناقشتها وتفسيرها. ماذا ينقص هذا الكلام لكي يحسب على نقد النقد؟! ثم أقول من جهة أخرى: وماذا ينقص حديثك عن الواقع والخيال والتخييل، من حيث الشكل،  لينتمي إلى الحديث عن الصورة الشعرية البيانية، أي إلى البلاغة؟ هذه الإشكالية هي لُب أسرار البلاغة للجرجاني، و هي مركز منهاج البلغاء لحازم القرطاجني الذي يلتبسُ فيه النقد بالبلاغة والبلاغة بالنقد.

أما المفهوم الثاني للخيال، الخيال الذي في ذهن المتلقي فهو أحد الاقتراحات للخروج من القطبية: من واقع محض وخيال محض. وقد ميزه الؤلف بقوله : "لكي نفهم جيدا ماذا يحصل في التجربة الشعرية لا بد من التمييز بين العناصر الواقعية وفعل التخييل وناتج التخييل وهو الخيال"(ص6). وليست أية نظرية أدبية مرغمة على تبني هذا المفهوم للإفلات من تهمة المقصدية. وهو لا ينطبق بحال كما سنتبين على المفاهيم التي عالجت بها النظريات الأدبية قضية الواقعي والخيالي واستحقت الإدانة. فلنستمع للتحليل والتطبيق ـ كما دعانا المؤلف إلى ذلك ـ للتعرف عليه. وهروبا من أن نتهم بالانتقائية المغرضة نأخذ المثال الأول، فمن المعروف المحبذ أن يقدم الباحثون النموذج الذي تتجلى فيه الظاهرة بدون لبس ليكون عونا على فهم ما دونه وضوحا وكمالا. المثال الأول من الفصل الأول هو قول بدر شاكر السياب:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر.

ومكوناته حسب تحليل المؤلف هي: عناصر حضور الواقع هي: العينان و غابتا النخيل ساعة السحر. أما "عناصر الصورة التخييلية" فتوجد "بؤرتها في وجه الشبه، وهو الخضرة، والعطاء".(ص15). أما الخيال فأدعو القارئ إلى الإمساك به من ألفاظ المؤلف: "ولكننا بالإضافة إلى ذلك نستطيع تجاوز هذا وذاك إلى الاقتراب من شيء كان يستعصي عنا تصوره، وهو ذلك الشيء الخيالي المتولد عن دمج العينين في غابتي النخيل ساعة السحر. لا نستطيع أن نعبر عن هذا الشيء بالدقة المطلوبة ولكننا نشعر به ماثلا أمامنا، نحس بروعته و لا نستطيع أن نلامسه. هذا الشيء ليس بالتأكيد مجرد عينين بشريتين، ولا هو مجرد غابتي نخيل ساعة السحر، إنه ذلك المتحصل من المزج بينهما، وأنا أدرك أنه يجمع سحر العينين وسحر الغابتين ساعة السحر، ولكنني لا أعرف بالضبط ما هو، سوى أنه شيء رائع، هو إذن أسمى منهما معا و أجمل، هو أمر مستحيل التحقق في الواقع ولكن اللغة التخيلية استطاعت أن تحملني إلى مشارف تلك الاستحالة لأطل عليها وأحس بوجودها دون أن أقوى على تحديدها بصورة تامة ونهائية.إنها هي نفسها ذلك الخيالي الذي لا هو بالواقع. ولا هو مجرد عناصر التخييل".(ص16).  

حسب هذا التحليل: فالواقع هو المفردات والمركبات الصغرى الداخلة في بناء مركب ينتج عنه تخييل. و التخييل هو وجه الشبه. والخيال هو ماذا؟ هو هذا الانطباع الذي حاول الأستاذ التعبير عنه لا أقل ولا أكثر. انطباع فرض على الباحث مقايضة كلمة خيال بـِ كلمة "خيالي" و الخيالي ليس هو الخيال. فما الذي وقع؟ الذي وقع، والله أعلم، هو أن هناك خطأ، أو حرفية في الترجمة أدت إلى استعمال كلمة خيال بدل كلمة صورة  صورة ذهنية أو انطباع أو ارتسام أو أثر أو تمثل. فهذا ما يلائم وصف ما سمي خيالا في هذا التعليق الانطباعي، وهو الذي يفسر انزياح المحلل نحو "الخيالي" أولا ثم إحلال " الصورة " في أماكن أخرى من الكتاب المحل المخلل لـِ "الخيال". ولنأخذ من آخره درأ للشبهات. قال في الصفحة 113:  معلقا على أبيات لزهير في الوقوف على الأطلال: "و من الطبيعي أن يحتاج القارئ إلى معلومات حضارية لفهم دلالة مكونات التخييل هذه ، حتى يتأتي له، بعد ذلك، تشكيل الصورة الخيالية في ذهنه". ثم يتساءل: " ما هي الصورة الذهنية الخيالية التي تم بعثها" بعناصر التخييل؟(نفسه). وقال، في المكان نفسه: "وهذه المشقة في التعرف إلى الديار(كذا) بعد عشرين سنة كيف السبيل إلى ضبط صورتها الحقيقية في الذهن؟ "[44]. وإذا رد عجز الكتاب على صدره بلغ الأمر منتهى الوضوح فقد تكرر لفظ صورة عدة مرات في صفحة واحدة (ص7) باصيغ التالية: "الصورة الخيالية المحصلة من التخييل"، "فالتداخل الحاصل بين الإبريق والظبي في حالته هذه هو صورة يستدعى خيالنا لتمثيلها ذهنيا"، "صورة خاصة" "الصورة"، "استحضار نفس الصورة الخيالية التي تمثلها الشاعر"، "صعوبة حضور الصورة الخيالية"، بعد هذا التراكم العفوي الذي يبين حدود طموح المفهوم يتذكر الباحث "الخيال" فيقول :"والإيحاء ليس شيئا آخر سوى تحريك ذهن القارئ في اتجاه صنع الخيال". إن القارئ الحسن النية سيؤول الأقل لصلح الأكثر، خاصة إذا كان جما غفيرا.أي سيذهب إلى أن الأستاذ: "صنع الخيال" وهو يقصد: "صنع الصورة". الصورة التي حاول الشاعر رسمها باللغة، ويحاول المتلقي من حين لآخر بعثها حسب معرفته بعناصر الواقع وتقاليد الفن. وهذه العملية هي التي رصدها الفيلسوف العربي حين استعمل كلمة التخييل واصفاً العملية التمثيلية من جهة والأثر المتوخى أو الممكن من جهة ثانية. وهذا ما جعل عناوين منهاج البلغاء تصر على الجمع بين البعدين البناء اللغوي و التاثير النفسي. أما استعمال الخيال للتعبير عن الصورة الذهنية وجعله ناتجا عن التخييل فمن باب جعل الأصل فرعا والفرع أصلا، باعتبار أن المعنى الأول والأصلي للخيال هو أنه ملكة نفسية مثل الذكاء والذاكرة، "ملكة التفكير بالصور"، أو هو بعبارة أخرى: ملكة نفسية لخلق الصور أو استرجاعها[45]. و بالنظر في معانـي الكلمات المتصـــلة بالموضـوع  magery I   وَ imagination   وَ imaginary  وَ fictive  نتساءل عن مدى مناسبة   الترجمة المقترحة للعنوان لغة، ولمحتوى الكتاب فلسفة ونظرا، وما مدى إنتاجية إجتهاد إيزر  ،إذا كان حقا  بالصورة  التي قدم بها،  في التطبيق النقدي؟

أما بعد، فالذي في ذهن القارئ ليس الخيال بل المتخيَّل، وحين يتحدث عن الخيال في الأدب فإن المقصود عادة هو تجلياته اللغوية. كما أن الحديث عن المقاصد هو حديث عن تجلياتها اللغوية. أما الملكة في حد ذاتها فهي مجال للدراسة النفسية والاجتماعية. والله أعلم. 

 

3ـ الإحــالات  الممثِّلة  والأمانة العلمية:

حين قلت إن الحكم أصدر في غياب النقاد والبلاغيين العرب احتج المؤلف بنص أورده  للرماني، وبحكم عارض أصدره عرضا على البهبيتي. هذه واقعة لا غبار عليها، ولكنها لا تحل المشكل بل تزيده تعقيداً، ولذلك كان حضورها، في مستوى المنهج غياباً، وكان سكوتي عنها حكمةً. أما وقد رغب الباحث في تقويمها فلا يسعنا غير الطاعة والاستجابة. فنقول: إن الاستشهاد بكلام الرماني مشوب بعيبين كبيرين كل واحد منها كاف بمفرده لإسقاط الاستشهاد به:1) ضعف التوثيق والبتر، فنص الرماني مأخوذ عن واسطة (منقول من العمدة) وهذا غير مقبول في البحث الأكاديمي الأصيل، خاصة حين يطمح إلى الإبداع ويقدم البديل، ونحن نحذر منه الطلبة الباحثين منذ البداية. إنه عيب منهاجي حتى وإن لم يؤد إلى ما لا تحمد عقباه، أما إذا أدى إلى ذلك كما، وقع بالنسبة للنص الذي أوردتموه، فالمسؤولية تصبح أعظم. لقد أدى اعتماد الواسطة إلى بتر رأي الرماني بإبعاد حديثه عن زيادة المعنى التي تبرر الانتقال من الحقيقة إلى المجاز، كما بينا، وكان من شأن إيراد كلامه من مصدره أن يخلق توازنا داخل الموقف حتى وإن لم يقلبه رأسا على عقب. 2) و لو فرضنا أن رأي الرماني قدم موثقا وعلى وجهه المرتضى فإنه لن يكون حجة على المراد، فما هي البلاغة التي يمثلها الرماني؟! كل ما فعله الرماني عبارة عن رسالة في إعجاز القرآن، عنوانها: النكت في إعجاز القرآن. فهي تنتمي إلى  الأعمال التي أنجزت في دائرة الإكراه الإعجازي، أي أنها نص مضاد لجمالية النص الشعري. وهذا كلام لا أقوله اليوم لتبرير موقف عارض، إذ يمكن لأي قارئ أن يعود إلى كتابي الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية ليرى أين وضعت الرماني. فهو ليس سوى صوت مبحوح في الرابع من خمس مسارات كبرى: هي روافد نهر البلاغة الذي جمع فأوعى. وقد قلنا وقتها في التعليق على توجه الرماني: "ولا شك أن تقديم الوظيفة الإبلاغية (البيانية) على الوظيفة البلاغية، بدون تمييز، يدل على الجهل بالفرق بين النص الخطابي المرصود للإقناع بوسائل خاصة، والنص الأدبي الذي يستعمل وسائل أخرى للتأثير والإقناع، الشيء الذي انتبه إليه بلاغيون قدماء، وناقشه الفلاسفة مناقشة مستفيضة" (ص78 ـ 79). فكيف يصح، بعد هذا، الاعتمادُ على رأي الرماني لتعميمِ الحُكم بمقصدية البلاغة العربية؟!

أما البهبيتي فلا يصلح، من حيث الجوهر، ممثلا للمقصدية، ولا يصلح، من حيث الشكل، ممثلا  للدراسات الحديثة. 1) فمن حيث الجوهر يعتبر البهبيتي أكثر مؤرخي الأدب اهتماما برمزية الشعر وبكل مكوناته التخييلية ومنها الموسيقى، وحين نتحدث عن الرمزية لا نغيب الواقع بل نحاول استحضاره أو بناءه. سأكتفي ببعض النصوص التي تشكك فيما نسب إليه إن لم تدحضه آملا أن يعود القارئ إلى كتابه: تاريخ الشعر العربي ليقرأ هذا العنوان من بين عناوين مماثلة: "الافتتاحية الغزلية صورة رمزية"، ومما جاء فيه: "وهذا الوجه من وجوه التعبير الرمزي في الشعر الجاهلي لم يقف عند القصة، ولكنما تعداها إلى ذلك الغزل الذي يقدم به الشاعر لقصيدته. فهو كذلك لا يقصد به الشاعر إلى موضوعه، و إنما قصد به إلى غير ذلك مما يهم الشاعر أمره، و يأخذ عليه نفسه. ومن هنا يأخذ ذلك الاستفتاح الغزلي للقصيدة الجو الذي يعيش فيه الشاعر، والذي يملي عليه شعره"(ص100). ويعلق على كلمتي: "أسماء" و "هند" في شعر الحارث بن حلزة قائلا: "فظاهر الشعر أن الحارث ينسب بأسماء و بهند، وحقيقة الأمر ليست كذلك. و إنما "أسماء" هذه شخصية خيالية تذكر أيضا في قصة حب المرقش الأكبر البكري الذي خرج على ملوك المناذرة، وثار على قومه من بكر، ممن أخذ صف ألئك الملوك"(ص101). و تعتبر فكرة  "ملابسة الطبع للصنعة" من أطرف كشوفات البهبيتي، وقد نوهنا به قبل اليوم في مقدمة كتابنا: اتجاهات التوازن الصوتي في الشعر العربي.. وتوجههُ في التحليل والتقويم يتلاءم مع تعريفه للشعر في مقدمة الطبعة الأولى الصادرة سنة 1950 : ذكر هناك علاقة الشعر بحياة الأمة وحياة الشاعر، وألح على البعدين: الحياتي و الفني، ورفض أن يكون الشعر مجرد مدح للملوك أو هجاء للأمراء، ثم قال: "ولكنه تعبير عن أصفى خلجات النفس، وأنقى صور الجمال، والشعر هنا ليس تعبيرا عن حالة عابرة مضت، لا تتصل بحياة الناس وإنما هو تعبير عن تلك الجوانب الباقية على الدهر من جوانب النفس الإنسانية  "(ص.ي).

ولو أنصف الباحث، وأتمنى من كل قلبي أن يفعل مستقبلا، لمتع البهبيتي بنفس الفتوى (أو ظروف التخفيف) التي أنقذت يوسف اليوسف من مشنقة المقصدية  حين قال: "ومن الدراسات التي تجاوزت مفهوم المقصدية في مجال التنظير والتطبيق أشرت إلى كتاب يوسف اليوسف مقالات في الشعر الجاهلي ، وهو يعزو فيه خلود الشعر الجاهلي إلى كونه يدمج البعد العقلاني للحياة العربية بالبعد الوجداني في تجربة واحدة"(ص4 ع3). الخ.  لقد عبر البهبيتي عن سعادته( في مقدمة الطبعة الثانية التي صدرت سنة 1961 ) برواج أفكاره وهيمنتها على الكتب التي ظهرت بعد طبعته الأولى، وكان يقصد  الأعمال نفسها ذات الطابع الرمزي التي استثنيت، في رد الأستاذ الكريم،  من تهمة المقصدية هذا من حيث الجوهر. 2) ومن حيث الشكل فإن البهبيتي ينتمي، على طرافة أعماله، إلى الأربعينات، ولذلك كان من المناسب منهاجيا أن يستشهد المؤلف بالأنداد من المعاصرين حتى لا يفترع أبوابا مشرعة، وحتى يكون منصفا. وهؤلاء كثيرون ذكرنا منهم عبد الله الغذامي و محمد مفتاح. خاصة والأستاذ لحمداني يعتمد على المنجزات الـ"جبارة" لـِ "النقد الألماني المعاصر"، وهي تستفيد صراحة "من النظرية التأويلية المعاصرة وكذا من السيميوطيقا الأمريكية وخاصة سيميوطيقا بورس"(ص14). إن المعركة غير متكافئة (بقطع النظرعمن كسبها)(!) 

الخلاصة، فهل نعتبر البناء على "مخالفة" الرماني والبهبيتي مجرد عطب منهاجي أم إن الأمر يتعلق بتقنية خطابية (افتعال خصم، أو التلويح بخطر، استعملت لتعويض شرط تعذر توفيره)؟ إن البناء على مخالفة رأي رمضان عبد التواب في مجال أسلوبية الرواية يثير الشكوك[46].

 



 حواشي المقالين (1. 2 )

 

[1] ـ . كما سيلاحظ القارئ في تعامل المؤلف مع نصوص ابن رشيق القيرواني من القدماء ودارسي المقدمة من المحدثين.(انظر الصفحة 89، والصفحات 106ـ107،108،109، وقارن بلحن القول في المقدمة).

[2] ـ الواقعي والخيالي 9. يفهم من السياق العام للكتاب أن "ليست هي بالضرورة تعني ليست قطعا"، خلاف ما قد يفهم من أنها قد تكون هي المألوفة نفسها.

[3] ـ نحن إذن أمام إعادة النظر في الفكر النقدي العربي والحديث (نفترضُ سقوط كلمة "القديم" هنا حتى لا يبقى التعارض قائماً بين أمرين مختلفين لا وجه للتعارض بينهما في هذا السياق: العربي والحديث).

[4] ـ نفسه 3.

[5] ـ نفسه 3. أبرزنا بعض العبارات آملين وقف المصادقة عليها لحين النظر في شأنها.

[6] ـ نفسه 4. والإبراز منا. وفي تحريك المرء إحساساته شيء من الكاريكاتير.

[7] ـ نفسه 4_5.

[8] ـ منهاج االبلغاء 87. وقوله: "من المتكلمين" يعني المتكلمين في شؤون الدين. وانظر بقية كلامه ففيه كثير مما يصلح للعبرة.

[9] ـ البرهان في وجوه البيان130. تأمل عبارة "يأتي بـِ" متذكرا كلام ورقة بن نوفل للرسول، وقوله تعالى لمريم. (وعدم التوثيق مقصود).

[10] ـ سورة  يس70.

[11] ـ  انظر سر الفصاحة 227. وابن سنان من أقطاب التوجه المحافظ في البلاغة العربية، ولعه وحده أنسب لتأييد وجهة نظر المقصدية..

[12] ـ نقد الشعر 63. المذهبان المقصودان هما: الغلو والاقتصار على الحد الأوسط.

[13] ـ مما جاء في أسرار البلاغة: "وهاهنا إذا تأملنا مذهب آخر في بيان السبب الموجب لذلك هو ألطف مأخذا وأمكن في التحقيق، وأولى بأن يحيط بأطراف الباب، وهو أن لتصور الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محله، واجتلابه إليه من النيق البعيد بابا آخر من الظرف واللطف، ومذهبا من مذاهب الإحسان لا يخفى موضعه من العقل". (أسرار البلاغة109). والضرب الأول المشار إليه هو الذي يقوم على صورة من صور الاحتجاج. و هو الآخر "غريب بديع يمكن أن يخالف ِفيه".(نفسه103).

[14] ـ البيت لعمار الكلبي.( انظر الخصائص 1/248 ـ 249).

[15] ـ نقله عبد الحكيم راضي عن يوهان فك في نظرية اللغة في النقد العربي 10.

[16] ـ رؤبة . مجموع أشعار العرب61.

[17] ـ انظر معجم الأدباء لياقوت 19/ 158.

[18] ـ معاني القرآن 2/387.

[19] ـ سر الفصاحة 254. هذا ما يقوله صاحب أكمل صياغة لبلاغة الصحة والتناسب و أناقة الخطاب.

[20] ـ نفسه 25. ما بين معقوفين توضيح منا بحسب السياق.

[21] ـ أسرار البلاغة24.

[22] ـ النكت 86. والأمثلة كثيرة. ومن الطريف هنا حديثهم عن حكمة  المشكل من القرآن الكريم(انظر مشكل القرآن لابن قتيبة).

[23] ـ استفدت من هذا الكتاب عند صدوره استفادة كبيرة يسرت لي تحليل النصوص في جميع مراحل الطلب بعد ذلك. وقد أعجبني من تحليله الجمع بين معرفة العناصر الواقعية والتصويرية في تحليل بعض الأبيات تحليلا ممتعا. يقول في عبارة بعيدة عن الهم المقصدي: "فما أشد حاجتنا إلى أن نعيد تقدير الشعر الجاهلي وننظر فيه نظرة فاحصة متأنية تزيد طبيعته الفنية استكشافا" (الشعر الجاهلي 1/12). و قال في سياق ما هو متاح لجيله وقد لا يكون متاحا للجيل اللاحق، حسب تصوره: "إن ما يستطيع بعضنا الآن أن يسمعوه في تنغيم الشعر الجاهلي من نبرات و أصداء، وما يستطيعون أن يروه في ألفاظه من ظلال و ألوان ، وما يستطيعون أن يستنبطوه في معانيه الثانية من إشارات واستدعاءات لن يكون في مقدور تلك الأجيال القادمة". (نفسه1/13). ما أبعد هذه اللغة عن البحث عن مقاصد جاهزة وموجودة في الواقع مسبقا، و ما أبعدها عن موقع المتلقي السلبي.

[24] ـ الواقعي والخيالي 3.

[25] ـ المشاكلة والاختلاف 5.

[26] ـ نفسه.

[27] ـ نفسه

[28] ـ نفسه6. نشطنا هذه الجملة لأنها مهمة. فعدم القدرة على التخزينِ و إدراكِ العلاقات الخفية بين الظواهر قد يجعل كل ما تقع عليه العين جديدا، وهذا أمر قد يكون إيجابيا في مجال الإبداع الشعري إذا كان مجرد دهشة تعيد إلى الخزان الذاتي، أما تشذر الرؤيا في مجال التنظير النقدي فسيؤدي دائما إلى افتراع أبواب مشرعة.

[29] ـ نفسه. نشطنا هذا النص لكونه يرد بلفظه ومعناه على  ادعاء سلبية القارئ.

[30] ـ أسرار البلاغة347. ونقله ع. الغذامي في ص71.

[31] ـ الأسرار 248. نقله الغذامي 61.

[32] ـ المشاكلة والاختلاف 62. والأسرار 245. وانظر كيف اندمج النص النقدي القديم والحديث في هذه المسألة حتى كأنهما نص واحد.

[33] ـ أسرار البلاغة 118.

[34] ـ انظر أسرار البلاغة.108ـ131.

[35] ـ ولسياق هذه الصورة أهمية ظاهرة، فقد وردت في الحديث عن الضرورة الشعرية، مدافعة عن حق الشاعر في خرق قوانين اللغة لأنه يفعل ذلك اختيار لا عجزا.

[36] ـ التعريف الوحيد الذي قدمه المؤلف حسب ما اطلعت عليه هو: "االتخييل إجراء تقوم به اللغة داخل النص". (ص14). وهذا كلام عام، لا يمكن التعويل عليه لأنه غير مانع لما ليس شعريا.

[37] ـ حاشية الصفحة14.

[38] ـ نفسه 25.

[39] ـ وحتى إذا افترضنا رجعنا إلى ما قبل متى اعتمادا على الأخبار لا على الآثار فإن أقدم الافتراضات تحيل على الكندي(ت252أو258هـ) أو على إسحاق بن حنين(298هـ). فأين نحن من: "عند مجيء الإسلام".؟

[40] ـ إن استحضار الأهواء والرغبات يجافي متطلبات الفحص العلمي الدقيق ااوقائع معزولة ما أمكن عن التشويش المقامي. إن التجارب المتقدمة علميا تجري اليوم في الفضاء، أي خارج "الجاذبية". أتمنى أن نناقش موضوعنا خارج "الجاذبيات" و"الدافعيات".

[41] ـ جريدة الرياض

[42] ـ انظر محمد مفتاح . دينامية النص.  .ط1. الدار البضاء 1987.

[43] ـ والغريب أن المؤلف مع رفضه لمفهونا جذريا راح يناقشنا فيه فيما يخص حالة واحدة: بلاغة عبد القاهر الجرجاني التي وجدها مقصدية في قولها بالنظم. وهذا أمر لا يستقيم علميا، لأنه إذا بطل الأصل بطلت جميع الفروع التي تتفرع عنه، و تنبي عليه.والإبحار مع عبد القاهر الجرجاني يتطلب بوصلة لا يمكن فبركتها بين يوم وليلة. و قد كتبت عنه في مناسبات مختلفة ثم خصصته بفصل مطول من كتاب في تاريخ البلاغة العربية وعنوان هذا الفصل هو: من المفارقة الشعرية إلى المناسبة التداولية. ، وكشفت مشروعه ومنجزه، كما بينت الخلفيات المذهبية للمشاريع البلاغية في فصل آخر. و أتمنى أن يتناوله الأستاذ لحمداني عند صدوره بالقراءة والنقد البناء كما نفعل الآن. و أنا أجد صعوبة كبيرة في مسايرته حين يناقشه نظرية النظم في كتاب الأسرار. أحيل القارئ على مقالي المقام الخطابي والمقام الشعري في نظرية الأدب في القرن العشرين ص )

 

[44]  ـ يمكن للمرء أن يتساءل عن الشرط العلمي لمثل هذا الكلام: قابلية الفحص والتفنيد مثلا، ليس من حق أحد أن ينازع فيما أحس به الباحث، وليس من حق الباحث بالمقابل أن ينازع غيره في الوصول إلى نتيجة مضادة  ماداما معفيين من التفسير الملموس. .

[45] ـ انظر معجم Hachette  مادة Imagination  مثلا.

[46] ـ انظر أسلوبية الرواية . مطبوعات سال.1989.ص.54.

 

 


 [EOM1]