حوار مع الأستاذ محمد العمري حول علاقة الحزب بالحكومة

 

هل نحن في حاجة إلى "توافق"  من أجل انتقال ديموقراطي داخل الحزب أيضا؟

 

في إطار فتح باب الحوار بين المناضلين داخل الاتحاد الاشتراكي،

وفي سبيل بلورة خطاب منسجم تحاور النشرة

الأستاذ محمد العمري في تصوره للكائن والممكن من العلاقة

بين حزب القوات الشعبية والحكومة الحالية.

 

أجرى الحوار عبد الدين حمروش

 

 

   بعد التحية، أود آن أسألك، ألأستاذ محمد العمري، عن رأيك في العلاقة بين الحكومة الحالية وحزب القوات الشعبية:  هل ترى في عمل الحكومة الحالية ما يربطها ببرنامج الحزب ومرجعيته، على اعتبار أن الاتحاد الاشتراكي هو الذي يقود هذه الحكومة في شخص السيد عبد الرحمن اليوسفي؟

 أبدأ من الأخير. صحيح أن الأخ المناضل عبد الرحمن اليوسفي هو الذي يقود الحكومة الحالية، وصحيح أيضاً أنها ستدعى، "يوم الحساب"، حكومة الاشتراكيين، وحتى الذين يطالبون اليوم بمعاملة الند للند في الحقائب والمهام، سيقولون غداً: لم يكن لنا من الأمر شيء! مع كل ذلك، لا أنتظر من حكومة تكونت في مثل الظروف التي تكونت فيها الحكومة الحالية أن تكون ذات لون واضح،لأنها لا  تستمد دِفأها من الجماهير والقواعد الحزبية، فهي لم تأت من هناك، من آراء حرة وفاعلة عبر عنها في صناديق الاقتراع كما كان مطلوبا، بل أتت من التوافق. التوافق الذي يجعلها تسير بعض القطاعات شبه المفلسة (مثل التعليم والصحة والشغل) محرومة من السلط الأساسية الضرورية للتفعيل (الإعلام،  الأوقاف والشؤون الإسلامية) والتنفيذ (الداخلية) والمراقبة (العدل) والاسترفاد (الخارجية والتعاون).

فنحن لم نصل بعد إلى سؤال الألوان والبرامج! بل ما نزال في مستوى شروط العمل الأساسية، ما نزال نتحدث عن "الثقة" التي تأتي ولا تأتي!

 

  فما الجدوى إذن من دخول اللعبة أصلاً إذا لم تكن لنا إمكانية للتأثير في الواقع بل يبدو خطر التأثر به راجحاً؟

 الجدوى تحدد في إطار السياق التاريخي: وضمنه تجربتنا الذاتية. والوضع العربي الإسلامي، والوضع الدولي: نريد الإفلات بجلودنا إذا أمكن . الأمل كله معقود على تهيئ انتقال نحو وضع ديموقراطي طبيعي، هذا هو الجدوى إذا حصل، ولغيري الحق أن يقول بتحد ومرارة: "مُش حايحصلْ".

    من بين التسميات المتداولة عن الحكومة الحالية أنها حكومة انتقالية.. تُرى إلى أيِّ مدى يمكن أن يذهب بنا الركون إلى مثل هذا المنطق؟

   الواقع يقول ذلك! المهم ألا تصبح هذه الحالة مزمنة، ألاّ يتحول المناضلون إلى موظفين وتكنوقراطيين. لم نعش بعد في الاتحاد الاشتراكي كما عاشت أحزاب أخرى مأساة هجرة "المناضلين" أو تحولهم إلى موظفين، تقول لصاحبك: "كفى طل علينا!…" فيقول لك: "وداعاً …باي باي". كما وقع في أحزاب أخرى. أتمنى أن لا نصل إلى هذه الحالة. وإن كانت واردة إذا ما تمادينا في التدحرج خارج الشرعية الحزبية.

 

 هل تنفع الأماني، ما هي الضمانات الواقعية؟

 نعم، ما هي الضمانات؟ السؤال عن الضمانات يدفعني إلى إعادة صياغة السؤال الأول صياغة أخرى. كنت أتمنى أن يكون السؤال الأول هو: إلى أي حد استفادت الحكومة الحالية، وهي محسوبة على الاتحاد الاشتراكي من الحزب الذي تنتمي إليه؟ بدل إلى أي حد تتقيد بالمبادئ؟ لأن هذا الجانب العملي (الاستفادة من الحزب) إذا تحقق استتبعَ حدا معقولا من الالتزام (أقول حدا معقولا، لأن الشروط التي ذكرناها تجعل الالتزام الصارم بعيد المنال)، وأشاعَ قدرا من الطمأنينة في صفوف المناضلين الذين لا يستوعبون ما يجري.ة

 أتبنى معك هذا السؤال، وأجده مناسبا فإلى أي حد استفادت الحكومة الحالية من رصيد الحزب و وظفت طاقاته؟

  جوابي هنا بسيط وبصراحة وبكل اختصار: إلى "درجة الصفر".

 

     هل يمكن التوضيح أكثر؟

 ممكن. جسم الاتحاد الاشتراكي اليوم كالجسد المحموم الكل يتوجع. دعْكَ مما وصل إليه الأمر من شلل، إن لم أقل: تجميد الهياكل الحزبية من أعلى إلى أسفل، الشيء الذي أدى إلى خلل حتى في المستويات العليا من التنظيم. عبرت عنه الكتابات والتصريحات من أعضاء المكتب السياسي ومن في مستوى المكتب السياسي، ممن ينتظر دوره أو يسعى إلى إعادة اعتباره . دعك من هذا الخلاف العالي الذي ما كنت أود ان ينشر غسيله في الصحافة، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، فهذه الشفافية كانت على الدوام عنصر قوة للاتحاد ومصدر ثقة لجماهيره، المهم أن ترسو الباخرة على الشط بكل ركابها، والشاطئ الأقرب الآن هو المؤتمر. دعك من هذا وخذ معي نموذجا واحدا: نموذج التعليم العالي. أنتمي إليه وأعرف أسراره وسرائره: جمدت النقابة الوطنية للتعليم العالي وأقول اليوم جُمِّدت ، وجمد القطاع الحزبي، واضطرب تبعا لذلك حبل الاشتراك في مجالس المؤسسات. وحين نقول التعليم العالي نعني ما نقول، لأن وضعا يؤدي إلى تهميش التعليم العالي، ويفككه إلى قطع غيار لسد هذه الثغرة الإدارية أو تلك لا يمكن أن يكون وضعا إيجابيا. ليس هناك تفاعل بين الجامعة والمؤسسة الحكومية بل هناك هجرة بدون رجعة. للاتحاد الاشتراكي رصيد جماهيري فاعل يحسد عليه بدون مبالغة، في النقابات والجمعيات ومجالس المؤسسات، فضلا عن الهياكل الحزبية. وكان من اللازم أخذ العدة لتشغيل هذه القطاعات، والتفاعل معها بشكل جديد وجدي لمساعدتها على التحول من خطاب المعارضة والرفض إلى المساهمة في البناء عن فهم ومعاناة من جهة، واستحضارها لتلافي نوازع البيروقراطية والتبرجز من جهة ثانية، وحين أقول استحضاره أتلافى أن أقول "عدم الخوف منها". 

يتحدث الإخوان عن جيوب المقاومة الصريحة والمقنعة وهذه قضية خبرتها وأعرف نماذج مثيرة منها. ولا أرى من سبيل لمقاومتها  انطلاقا من المكاتب بالرباط، بل مقاومتها لن تتم إلا في مواقعها، من خلال المناضلين الحاضرين في عين المكان. لابد من تفعيل مجالس والمؤسسات وإعطائها الوضع القانوني الذي تحد به من نزوات موظفين ترهلوا فوق الكراسي الوثيرة وفقدوا كل حس بالمواطنة، لا يتحركون إلا لنداء مصالحهم الذاتية والأوامر الإدارية الصادرة من الجهة المعلومة. وكان من المنتظر أن يعاد النظر في قانون مجالس المؤسسات بتوسيع مجال اختصاصها وإعطائها صفة التقرير. في التخطيط والتنفيذ والمراقبة.

 

 ما هي الآليات الملموسة في نظركم لضمان استقلالية القرار الحزبي عن القرار الحكومي؟ متى تبدأ مهمة الحزب  وتنتهي مهمة الحكومة، وتبدأ مهمة الحكومة وتنتهي مهمة الحزب؟

هذه مسألة شائكة لأنها مطروحة اليوم على الاتحاد الاشتراكي في إطار مواقع وحسابات وليس في إطار فقهي(فقه السياسة). والحديث الفقهي عنها سيكون من باب إعطاء الدروس لمن ليس في حاجة إليها، فأمامنا تجارب عالمية عريقة بعضها نتخذه قدوة في بعض شؤوننا حين يحلو لنا، ولكن "على من تقرا زابورك يا داود"! القواعد العامة معلومة. هذا من الناحية المبدئية أما الناحية العملية الآنية فأنا لست ممارسا بالقدر الذي يسمح لي (أو يضطرني) إلى تبني رأي أعلم أنه ضد تصور طرف عامل من مكونات الحزب حاليا، ولو فعلت ذلك لقيل لي: "ليس من يده في الماء مثل من يده في النار"، أو: " ليس هذا بعشك فادرجي". أتمنى أن تكون هناك آذان صاغية لسماع رأي من موقع الحيرة، مادامت الآذان التي لا تقبل إلا اليقين تدع بنا اليوم نحو المجهول. من موقع الحيرة هذا أتجد أن اختزال قضية استقلال الحكومي عن الحزبي في المطالبة بالتخلي عن بعض المواقف والمهام من طرف المشتركين في الحكومة خاصة الكاتب الأول ونائبة المناضلان عبد الرحمن اليوسفي ومحمد اليازغي مطلب تبسيطي إن لم أقل تعجيزي: من هو هذا السياسي الذي عاش تجربة أول حكومة من هذا النوع بعد الاستقلال وعرف ما ترتب عن هذه الإشكالية من مآزق سيسلمك هذه المواقع في هذا الظرف الذي تحسب يه النفاس لا الكلمات., "يتربص يها المتربصون".

لهذا صرت اعتقد أن المفروض هو تهييئ "انتقال سلمي" نحو الديموقراطية داخل الحزب عن طريق وصفة توافقية تنتهي إلى تحقيق هذه المطالب العادلة دون تضييع شيء من المكاسب الميدانية الملموسة.

 

 كيف تقيم وضعية الحزب من الناحية التنظيمية الآن؟ أين يكمن الخلل؟

 لا يختلف اثنان في أن هناك خللا تنظيميا، بل هناك من يراهن على الأسوء (من خارج الحزب طبعاً). والأحسن في نظري ادخار الطاقة إذا لم يكن من الممكن استعمالها حاليا استعمالا صحيحاً وفعالا 

بعد هذه الديباجة الغامضة من نوع "واسمعي يا جارة"، أرى أن الخلل يكمن في عدم التهيئ للانتقال من موقع متمرس به أي موقع المعارضة إلى موقع المسؤولية والمساءلة أي أن نكون رقباء لا على الآخرين بل على أنفسنا. ولذلك نلاحظ أحياناً مفارقات في خطاب الإخوان المشاركين في الحكومة والبرلمان، فبدل الحديث من موقع الحزب في اتجاه الحكومة يتحدثون من موقع الحكومة في اتجاه الحزب… لا أستطيع أن أخوض في الأمثلة الكبرى حتى لا أساهم في تعقيد المسألة وأعطيك نموذجا بسيطاً هو أقرب إلى النادرة:

 في برنامج تلفزي للقناة الثانية هو آخر ما شاهدناه في الأسبوع الماضي طرح الأستاذ قرنفل في نهاية الجلسة مسألة أجور البرلمانيين التي تكلف ميزانية الدولة الكثير بالقياس إلى الفعالية البرلمانية. إذا تأملت هذا السؤال وجدته ينتمي إلى ثقافة الاتحاد الاشتراكي التي تمرس بها المناضلون عقوداً طويلة وانتقلت من المناضلين إلى الشعب المغربي كله: الأجور الكبرى والجدوى الضئيل أو المنعدم! نهب ثروة البلاد وإقار العباد.. بعد هذا لاحظ معي كيف كان رد الفعل العنيف الذي ووجه به التعليق ليس من طرف "الآخرين" ولكن من طرف الأخ عبد القادر باينة نفسه. تأمل كيف حاول التبرير بقياس حالة مشبوهة أو متهمة على أحوال شاذة مرفوضة. إذ طلب الأخ باينة ربط قضية البرلمانيين في هذا المجال بأجور المديرين ومن على شاكلتهم ممن يستنزفون الميزانية بدون جدوى. ومؤدى قوله هذا: إذا شئت أن تحاسب البرلمانيين فحاسب أولا المدراء ومن على شاكلتهم ونظراً لأن الدولة لم تستطع أن تفعل شيئاً هناك فلا ينبغي أن تفعل شيئاً هنا. ثم لاحظ المفارقة: يطلب رئيس الفريق الاشتراكي المتزعم للحكومة من أستاذ أعزل مهمته في الجلسة التنوير والاستئناس أن ينوب عنه وعن الحكومة في إصلاح أوضاع الأجور!!!

إن مثل هذه اللحظة الانفعالية تكشف عن عمليات التحول التي تجري في إنتاج الخطاب خارج الحزب ولكن باسمه، وتحت رايته.

 أذكر (أنه في آخر جلسة حضرت فيها مجلس الجامعة بفاس في الموسم الدراسي الماضي طرحت قضيتان من هذا القبيل: رفض مندوب البريد التعامل مع مذكرة الوزير الأول حول تحمل الدولة لديون الكليات فيما يتعلق بفواتير التلفون ورفض المهندس المستفيد من سكنى بناية معهد التكنولوجيا تسليم البناية ضذّاً على أمر وزير الصناعة التقليدية (أو المماطلة في ذلك) الشيء الذي أدى إلى بقاء الكليات بدون تلفون حتى انقطع بعضها عن العالم الخارجي والداخلي بشكل كامل كما ضاعت سنة كاملة على طلبة الدراسات العليا الذين كان من الممكن أن يستفيدوا من البناية المذكورة.