مصطلح الدرس الأدبي

والنسق المعرفي

 

يعتمد تقدم البحث في مجال الدراسات الأدبية، كما هو الشأن في ميادين أخرى تبدو بعيدة عنها مثل البيولوجيا والكيمياء، على إجراءين متكاملين متفاعلين أولهما العمل الميداني الاستكشافي حيث يتم تعقب الوقائع ورصدها ومعالجتها مقوليا من حيث المادة والكثافة والفضاء (في الزمن والمكان) والعلائق وما إلى ذلك مما يساعد على الوصف الدقيق للطبائع والوظائف، والإجراء الثاني هو  وضع الأسماء  وبناء الأنساق. وفي حوار بين الأنساق الطامحة إلى الانغلاق والتناظر و بين الوقائع المتجسدة التي لا يتم إدراك كل العلاقات الخفية التي تربط بينها تثار الأسئلة تلو الأسئلة. فالنسق يصر على الاكتمال والوقائع تظل مستعصية على الانصياع.

يمكن أن نفكر هنا في المجهود الجبار الذي بذله الخليل بن أحمد في كشف نسق العروض العربي والعوالم التي استحضرها لبناء ذلك العالم:1) المدرك بالعين الملموس باليد و 2) المدرك بالبصر والبصيرة غير الملموس باليد أو البعيد المنال على اقل تقدير. 

إن ضبط الأسماء والأنساق يفتح مجالات أخرى للبحث. فعن طريقه نتحرر من الحضور العيني للوقائع ونكتشف الخانات التي تتطلب مزيدا من التنقيب؛ يمكن هنا التفكير في المتحقق والمهمل من تقليبات المعجم عند الخليل نفسه.

إن الوضع الراهن للبحث الأدبي في مجال المصطلح ما زال في حاجة إلى استلهام المفاهيم التي اعتمدها الباحثون في مجال علم الأحياء، تلك الجهود التي أدت إلى تنظيم الواقع ضمن منظومات مصطلحية سهلت على الباحثين التقدم إلى الأمام للمعالجة والتنظير. فهذه العلوم هي نفسها التي ألهمت اللسانيات لدعم علم جديد هو علم المصطلحية termenologie. كما أنتجت هذه الأبحاث مصطلحين ، ما أحوجنا إلى الاهتمام بهما، هما: النسقيات systematique والمنظومة (الاسمية) nomenclature . وإذا كانت المنظومة تعني مجموعة المصطلحات الخاصة بعلم معين فإن النسقية  تعتني أيضا بالعلاقة بين المفاهيم والأسباب التي أدت إلى تآلفها أواختلافها. يقول عالم الحيوان E. Mayr: "النسقيات هي دراسة تنوع الكائنات الحية وبيان أسباب هذا التنوع، أي التحولات التي قادت إليها"[1].

*   *   *

يرتبط تفكيرنا في المصطلح الأدبي، كما ترتبط انشغالاتنا الراهنة به، ببعدين متفاعلين تفاعل تجاذب حينا  وتنابذ حينا آخر: البعد التراثي العربي، وهو غني بشكل يجعل تجاهله مجافيا لروح البحث المنهاجي ـ بقطع النظر عن الاعتبارات الأخرى العائدة إلى الهوية والانتماء ـ والبعد الحديث الذي ينجز ـ في واقعنا الراهن ـ خارج اللغة العربية ونسعى لامتلاكه واستثماره في بيئتنا الحضارية(تبييئ المعرفة). وقد عانيت شخصيا من هذه الإشكالية من الزاويتين: محاولة قراءة التراث البلاغي العربي قراءة بنائية ، والاجتهاد في ترجمة نصوص تأسيسية من البلاغة الغربية.

إن العمل ضمن هذه الرؤية، وفي إطار هذه الإشكالية الحضارية،  يقتضي، في مرحلة أولى، إنجاز منظومات مصطلية تجسد الأنساق المفهومية في الطرفين، وصولا في مرحلة ثانية إلى المنظومة الموحدة التي تمثل قراءتنا في عصرنا الراهن، والتي يمكن أن تساعدنا على الانخراط في المسار العالمي الحديث، وهذا الطموح  مشروع  مبدئيا، ويسير عمليا  في فجال الأدب والفن. إن وضع منظومات مصطلية نسقية ولو كهيكل غير مكتمل هو الشرط الضروري لقيام حوار بناء بين ما أنجز في اللغة العربية وبين منجزات الدرس الأدبي الحديث. ومن الأكيد أن ليس في الإمكان تكوين هذا النسق بعيدا عن أسئلة العصر ومنجزاته العلمية. وذلك أن اللاحق من الجهود العلمية، محليا كان أو كونيا، هو الذي يساعد في  كشف المعاناة الإنسانية في بناء النماذج والأنساق، و هو الذي يكشف الإكراهات والعوائق التي عانى منها البحث العلمي في مسيرته نحو تحقيق شروطه الذاتية وإجرائيته المنهاجية. وليس سرا أننا حين نتحدث عن المنظومة المصطلحية نتحدث في الوقت نفسه عن التقطيع المفهومي للوقائع أي عن  نسق المفاهيم . غير أن الحديث عن المفاهيم يقتضي قدرا كبيرا من اختزال الجهد الوصفي التجريبي أو البرهاني المستعمل للتعرف على المفهوم ونسقه وهذه هي الخدمة التي يقدمها المصطلح.

النسق المصطلحي عبارة عن خطاطة قابلة للتعديل من عصر لعصر ومن حضارة لأخرى حسب التقطيع المتصور أو المرتضى للوقائع. لذلك نرى الموضوع  جديراً بالمعالجة من الزوايا التالية:

1 ـ مدخل نظري يبين ارتباط المصطلح بالنسق ارتباط وجود وعدم. حيث تكون المصطلحات شبكة يوصل بعض أجزائها إلى بعض أفقيا وعموديا. وبذلك يحدد بعضها بعضا، وهذا ما يميز المصطلحية عن ثبت الأسماء، بل عن اللغة الطبيعية. ويشار هنا إلى غياب هذا المفهوم عن كثير مما ينجز حاليا في المصطلية العربية في مجال الأدب.

2 ـ  ضرورة ضبط الأنساق لفهم تقطيع الوقائع: 1) حسب الأزمنة (البديع عند ابن المعتز والبديع عند ابن أبي الإصبع) وَ 2) وحسب الحضارات الحضارة (انظر مثلا المقابلات الفرنسية التي تغطي المادة التي  تغطيها كلمتا: كناية ومجاز مرسل في البلاغة العربية. وقد عرضنا له في حاشية ترجمتنا لـِ البلاغة والأسلوبية ص 55 ـ 60 . ح.68). 3) وفي إطار تطور المشاريع العلمية (اللفظ عند الجرجاني مثلا من الأسرار إلى الدلائل، والعقل في أول كتاب  الأسرار وفي آخره مثلا).

3 ـ تشعب المنظومة المصطلية وتراكب مستوياتها بالنظر إلى تعدد المكونات والوظائف. وكثيرا ما يبدو الأمر عند غياب الوعي بالمكونات وآليات الاشتغال وكأنه مجر تضخم مصطلحي. (انظر مثلا أسس إنتاج مصطلح التوازن الصوتي في كتابنا الموازنات الصوتية. القسم الأول بعنوان "المفهوم والمصطلح").

4 ـ تقاطع الأنساق  المعرفية وتداخل منظوماتها المصطلحية ( نشير هنا إلى تقاطع البلاغة(بمفهومها الواسع) مع النحو والمنطق، واتصال موضوعها بالموسيقى والتصوير). كثيرا ما يؤدي (التداخل المذكور) إلى تشويش الهوية الأدبية بنية ووظيفة. كما يشوشها دخول النسق المذهبي والأيديولوجي. ويمكن التعبير عن مجمل الأفكار الداخلة في هذا الموضوع بـٍ: الإغراءات والإكراهات. فالنحو واللسانيات والمنطق تغري الأدب بما يبدو في مباحثها من الدقة فيستعير مصطلحاتها ثم يهيمن البحث في الأصل على البحث في الفرع ، والمذاهب والإيديولوجيات تفرض فهمها للموضوع (مفهوم الكلام مثلا عند المعتزلة والأشاعرة وأثره في البلاغة العربية) أو للوظيفة(الالتزام مثلا في الواقعية الاشتراكية). فيسافر المصطلح و معه مضمون غريب كلا أو بعضا عن الموضوع المستقبل.

إلى غير ذلك من الإشكاليات التي يطرحها حضور النسق وغيابه.

 

يعتمد تقدم البحث في مجال الدراسات الأدبية، كما هو الشأن في ميادين أخرى تبدو بعيدة عنها مثل البيولوجيا والكيمياء، على إجراءين متكاملين متفاعلين أولهما العمل الميداني الاستكشافي حيث يتم تعقب الوقائع ورصدها ومعالجتها مقوليا من حيث المادة والكثافة والفضاء (في الزمن والمكان) والعلائق وما إلى ذلك مما يساعد على الوصف الدقيق للطبيعة والوظيفة. والإجراء الثاني هو  وضع الأسامي وبناء الأنساق. وفي حوار بين الأنساق الطامحة إلى الانغلاق والتناظر و بين الوقائع المتجسدة التي لا يتم إدراك كل العلاقات الخفية التي تربط بينها تثار الأسئلة تلو الأسئلة. فالنسق يصر على الاكتمال والوقائع تظل مستعصية على الانصياع.

يمكن أن نفكر هنا في المجهود الجبار الذي بذله الخليل بن أحمد[2] في كشف نسق العروض العربي والعوالم التي استحضرها لبناء ذلك العالم:1) المدرك بالعين الملموس باليد و 2) المدرك بالبصر والبصيرة غير الملموس باليد أو البعيد المنال على اقل تقدير. 

إن ضبط التسميات والأنساق يفتح مجالات أخرى للبحث. فعن طريقه نتحرر من الحضور العيني للوقائع ونكتشف الخانات التي تتطلب مزيدا من التنقيب؛ يمكن هنا التفكير في المتحقق والمهمل من تقليبات المعجم عند الخليل نفسه.

إن الوضع الراهن للبحث الأدبي في مجال المصطلح ما زال في حاجة إلى استلهام المفاهيم التي اعتمدها الباحثون في مجال علم الأحياء، تلك الجهود التي أدت إلى تنظيم الواقع ضمن منظومات مصطلحية سهلت على الباحثين التقدم إلى الأمام للمعالجة والتنظير. فهذه العلوم هي نفسها التي ألهمت اللسانيات لدعم علم جديد هو علم المصطلحية termenologie. كما أنتجت هذه الأبحاث مصطلحين ، ما أحوجنا إلى الاهتمام بهما، هما: النسقيات systematique والمنظومة (الاسمية) nomenclature . وإذا كانت المنظومة تعني مجموعة المصطلحات الخاصة بعلم معين فإن المنسوقة تعتني أيضا بالعلاقة بين المفاهيم والأسباب التي أدت إلى تآلفها أواختلافها. يقول عالم الحيوان E. Mayr: "النسقيات هي دراسة تنوع الكائنات الحية وبيان أسباب هذا التنوع، أي التحولات التي قادت إليها"[3].

الواقع الراهن

ونحن إنما نثير الانتباه إلى هذا البعد التفسيري للدراسة المصطلحية لما نلاحظه اليوم من  توجه إلى فصل المصطلح عن نسقه والإصرار على العودة به، بدل ذلك، إلى أصوله اللغوية. فنحن وإن كنا لا ننكر ما يمكن تحصيله من فائدة بالعودة إلى الأصول اللغوية مقتنعون بأن فهم المصطلح لا يمكن أن يتم إلا في إطار النسق المعرفي الذي يشتغل فيه.  بل قد تساعد الأنساق الحافة أو المقتفاة في إنارة سبيله أكثر مما يفيد الرجوع إلى الأصل اللغوي. وقد تجلت كل العيوب الممكن توقعها من تغييب النسق في أبحاث عديدة أنجزها الأستاذ الشاه البوشيخي ومن اقتفى طريقه من الطلبة الباحثين[4].

 

يمكن تناول هذا الموضوع من عدة زوايا:

1 ـ اختلاف الأنساق بين اللغات  (الترجمة)

(البلاغة والأسلوبية)

2 ـ إنتاج المصطلح من زوايا مختلفة:          1ـ الفضاء

                                                     2 ـ التفاعل

                                                    3 ـ الكثافة

3 ـ تطور البحث في الموضوع              (الجرجاني)

4 ـ المصطلحات الرابطة بين الأنساق المعرفية، مثل:

                                 البيان، والحجاج

5 ـ يقتضي وضع منظومة مصطلحية كشف العلاقات الرابطة بين أجزاء العلم، وبيان الوظيفي منها من غير الوظيفي. وتشجير المبحث انطلاقا من المصطلحات المركزية إلى الفرعية  ثم ما دونها.

6 ـ المعجمية عمل وصفي ترميزي ضروري للبرمجة  وتبادل المعارف. وقد صار هذا المطلب ملحا في العصر الراهن استجابة لمتطلبات الثورة المعلوماتية الحالية القائمة على التواصل عبر مداخل وأنساق ذات مفاتيح. واليوم حين يطلب من باحث فتح نافذة على الأنتير نيت فإنما يطلب منه إدراج مفاتيح للولوج إلى النسق الذي يعمل فيه لا إلى متراكماته أو متراكمات عصره من المعلومات. وهذه المداخل تبدأ بالعناوين وتنتهي بالكلمات الدالة أو المفاتيح. وليس المفتاح شيئا آخر غير اللفظ الدال على رأس النسق أي الجنس الأعلى أو على أجناس متوسطة أو دنيا.

7 ـ النسق المصطلحي (أ و النَّسْمُصُ) هو علامة قيام علم، أي وجود هوية رمزية للأشياء والوقائع، غير ما هي عليه في وجودها العيني، هوية قابلة للانتقال. فللواقع والوقائع أسماء وجودية، وللعلم بها أسماء أخرى.

 

تعليق

التأليف والنسق:

يمتد إهمال النسق المصطلحي اليوم إلى بناء الأعمال المؤلفة فيكون عائقا للقراءة، وضرره في محال الترجمة أقوى فالقارئ يسعى إلى فهم بعض الكلام من بعض غير أنه كثير ما يصطدم بالتعبير عن المفهوم الوحيد بألفاظ متعددة أو لا يجد رابطة منطقية بين مكونات الموضوع. وحتى حين يكون العمل تأليفا ويكون المعنى واضحا فإن العمل يكون مملا. فعمل الباحثة غلفت الروبي حول نظرية الأدب عند الفلاسفة المسلمين مفيد كقراءة أولى تحسس بالموضوع، ولكنه يكرر قضايا متشابهة أو متطابقة تحت عناوين مختلفة. وهذا التكرار الممل بديل لأمرين لوحضرا غاب، هما: العلاقة بين عمل الفلاسفة وعمل أرسطو، فهذا السؤال ظل معلقا، ثم تفسير الوقائع من خلال تصور الفلاسفة أنفسهم: لماذا يكون الوزن مثلا من التخييل وخارجه لماذا المحاكاة هي التشبيه وهي أكثر من ذلك (ص205).

 

 



[1] ـ انظر Univesalis: Systematique

[2] ـ ولا نريد أن نفكر في طبيعة المعرفة الأفلاطونية (إرجاع العيني إلى المثل) إلا من باب التأويل الشعري (أو المتافيزيقي) لحقيقة ناتجة عن الواقع الملموس.

[3] ـ انظر Univesalis: Systematique

[4] ـ من كتبه مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيين. و مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين. وقد أنجزت تحت إشرافه رسائل جامعية كثيرة تسلك نفس الطريق. تمتد أعمال هذا الاتجاه من الانتقائية غير المبررة (كما هو الحال في "مصطلحات نقدية وبلاغية في البيان والتبيين" له. فعنوان الكتاب دليل على منحاه. وقد أدى هذا المسلك إلى إهمال المصطلحات الداخلة في جذع شجرة  نسق البيان والتبيين مثل: المقام والخطابة وإثبات مصطلحات ليست لها قوة إجرائية فيه مثل:   ؟؟؟. وقد أدى مسلكه إلى تحريف نظر آخرين عن موضوع الكتاب فبحثوا فيه عن نظرية شعرية كما فعل عبد الرحيم الرحموني في بحثه برسم دكتوراة الدولة) إلى الاحتطاب غير الواعي للمصطلحات وغيرها، ويكاد هذا المسلك يكون طابع جميع الرسائل الجامعية المنجزة تحت إشرافه وإشراف آخرين تعاونوا معه، منهم العياشي السنوني.

1