تخليق الخطاب

دائرة الحوار ومزالق العنف

محمد العمري

كلية الآداب/الرباط

 

أجرى الحوار التالي الأستاذ نور الدين أفاية، في إطار البرنامج التلفزي: مدارات. وأذاعته القناة الأولى  المغربية في صيف 2001.

ننشره لأهميته العلمية المتمثلة في تفعيل البحث العلمي البلاغي في قراءة الخطاب الحالي.

 

تقديم

.. كل كلام يفترض مستويين: الشكل والمضمون، الظاهر والمضمر، المعنى الحرفي والمعنى المبلَّغ، المعنى المقصود والمعنى المفهوم؛ إلخ. ما هو دور تحليل الخطاب في فهم الكلام؟ ما هي الانزلاقات الممكنة أثناء الحوار؟ ما هي أشكال المغالطات والتهويل والتقويل في مناخ كلامي قد تنقصه أخلاق المناقشة؟ هذه بعض الأسئلة، نريد توضيحها مع ضيفنا لهذه الليلة الآستاذ محمد العمري.

س.  الأخ محمد العمري مرحبا بك..

 أستاذ باحث بجامعة محمد الخامس، أصدرت مجموعة من الكتب والدراسات، وأيضا الترجمات، من بينها: بلاغة الخطاب الإقناعي، ثم الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية، وكذا ترجمت مع الأستاذ محمد الولي كتابا مهما لجان كوهن: بنية اللغة الشعرية، وألفت تحليل الخطاب الشعري: البنية الصوتية في الشعر (الكثافة، الفضاء، والتفاعل)، ثم حققت وقدمت كتابا مهما لمحمد الإفراني: المسلك السهل في شرح توشيح ابن سهل، وأصدرت كتابا صغيرا لتوضيح وشرح شخصية هذا العالم المغربي: الإفراني وقضايا الثقافة والأدب في مغرب القرنين السابع عشر والثامن عشر، وترجمت كتابا لهنريش بليت بعنوان: البلاغة والأسلوبية، كما كنت أيضا مديرا لمجلة دراسات سيميائية لسانية وأدبية، وكتابا أخيرا من الكتب التي تعتبر الآن مرجعية بعنوان: البلاغة العربية أصولها وامتداداتها.

الأستاذ العمري يظهر من خلال هذه التآليف أن لك اهتماما أساسيا بالبلاغة، فلماذا الاهتمام بالدرس البلاغي في المغرب، الآن؟

ج.   صحيح: "الآن". هذا سؤال ينبغي طرحه، لكن قبل الجواب عنه ربما يحسن أن نعرِّف البلاغة؛ لأنه قد يتبادر إلى الذهن أن ما نقصده هو مجرد الدروس التي تعطى في المستويات التعليمية: لا، "البلاغة هي علم تحليل الخطاب". لنتفق على هذا أولا، ولنتفق على نقطة أخرى ثانية وهي أننا في هذه الجلسة نتجه إلى الخطاب الإقناعي، وهو أحد فروع  البلاغة بمعناها العام والشامل في المفهوم الحديث، وكذلك في المفهوم القديم الذي ضاع؛ هكذا كان عندنا في التراث العربي. فإذن حين نتحدث عن بلاغة الخطاب الإقناعي في الحقيقة نتوجه إلى الخطابة مباشرة، أي أننا ندرُسُ الخطابة. والخطابة هي أيضا تحتاج إلى تعريف، وهي: كل كلام يرسله طرف إلى طرف آخر من أجل التأثير والإقناع. فهذه هي الإشكالية التي تُفْهِمُ، لماذا نهتم اليوم بالبلاغة؛ بلاغةِ الحوار، وبلاغة الخطابِِ الإقناع: لأننا قد دخلنا في دورة من تاريخنا السياسي والفكري هي دورة الحوار. ونحاول أن نغلب الحوار على الأساليب الأخرى للخطاب، وهو نفس الشيء الذي وقع عند اليونان وعند الغربيين.

س.   عموما عندما نسمع الدرس البلاغي والدراسات البلاغية نفهم كأن المسألة تهم المتخصصين، ما هي الإفادة التي يمكن للإنسان أن يستخلصها أو يستفيد منها في الكلام المتداول في المغرب؟

ج.   صحيح، البلاغة هي شأن المتخصصين في مستوى إنتاج الأفكار والنظريات، لأنها كما قال أحد العلماء العرب (أندلسي، مغربي) هي علمٌ كليٌّ يعتمد على علوم كثيرة، ونفس الشيء قاله أرسطو؛ فهي تحتاج إلى المنطق والأخلاق واللغة وعلم النفس، لابد من كل هذه العلوم لكي يكون الشخص بلاغيا بهذا المفهوم الذي يتناول العلاقة بين الناس في تخاطبهم، ولكن البلاغة في المستوى البيداغوجي والوظيفي والتعليمي هي أبسط العلوم وأسهلها، فيمكن أن تُمارسَ، وتعلَّم ابتداء من أول ما يتلقى الإنسان الخطاب، من الابتدائي إلى الجامعة. وأعتقد أننا في حاجة إلى هذا الدرس؛ وهو درس الحجاج، لتكوين فكر نقدي، ومعرفة قواعد المناقشة والتخاطب وأخلاقيتهما، وإقناع الآخر بالحجة وبالتي هي أحسن؛ فهذا النوع من التربية سيغنينا عن أساليب أخرى يلجأ إليها المتخاطبون، وقد يلجأ إليها السياسيون أيضا.

س.  تحدثت في مقال لك كان قد نشر منذ شهور بعنوان: "البلاغة العامة والبلاغة المعممة" عن تخليق البلاغة. هل معنى هذا أننا نعيش "سيبة" [فوضى] كلامية في المغرب إلى درجة أننا في حاجة إلى تخليق؟

ج.   يمكن تجاوز استعمال كلمة "السيبة" للتشخيص، فالبلاغة في الحقيقة تشتغل بين السيبة الكلامية وبين القمع. وقد سبق لي في مقال في الثمانينات أن تحدثت عن الإقماع والإقناع والغواية؛ فربما تدخل هذه "السيبة" في الغواية بالمعنى السيء، لن الغواية ربما مقبولية.

س.  ما هي الغواية؟

ج.   الغواية هي التغرير بالآخرين وتصيدهم وإيقاعهم في الغلط. فهذا النوع من الخطابة التي سميتها "السيبة" تدخل في هذا الإطار، وهي عادة ما تكون مبرِّرا للقمع؛ حيث تتدخل السلطة، فتقول له: ما دمتم لا تستطيعون تنظيم كلامكم فمن الأحسن أن تسكتوا. فالبلاغة تأتي لتجاوز هذه الذريعة، إذ بناء على ما هو متوافق عليه اجتماعيا توووضع مجموعة من الضوابط والقوانين للتخاطب المعقول الذي يسير بالمجتمع في الاتجاه الإيجابي. والحقيقة أن أخشى ما أخشاه أن يَشْرَقَ العطشانُ بالماء البارد، كما يقال، لأن الناس مارسوا رقابة ذاتية أكثر من اللازم خلال عقود ماضية، ثم انطلق هذا المسلسل الذي نتمنَّى منهُ كل خير، ولكن أصبح الكلام يتجاوز الحدود في الكثير من المناسبات.

س.   هذا ما تلاحظونه؟

ج .   هذا ما ألاحظه، ويؤلمني، وكنت جعلت هذا الجانب الأخلاقي استهلالا لمقالات عديدة؛ منها سلسلة من عشر مقالات كلها تبدأ بضرورة تخليق الخطاب خوفا من القمع.

س.   يلاحظ الناس، ومنهم مجموعة من الباحثين والأسلتذة ورجال السياسى أن بعضَ الألفاظ تتكرر فيما يمكن تسميته بِ"السوق الكلامي" في المغرب، ومنها "الحوار". هل تتصور، باعتبارك مختصّا في المجال، أن هناك فهما مشتركا وتعاملا واضحا مع هذا المصطلح؟

ج .   مادام التوافقُ قد انتهى إلى الخيار الديمقراطي فقد أصبحت الآلية هي الحوار، ولكن "الحوار" الآن يستعمل من طرف من لا يؤمن به، ومن لا يفهمه، ومن يتذرَّع به للوصول إلى الاستبداد. فهو الآن عملة مثل الجهاد والثورة وجميع المفاتيح التي كانت تستعمل فيما قبل بنفس القيمة، ولكن ينبغي الانتباه إلى الزيف، ينبغي للبلاغة التمسك بالمفهوم الحقيقي للحوار. ينبغي أن يساهم في تعريف الحوار وكشف كل صور الزيف. فهم لا يستطيعون أن يخرجوا عن التعريف إذا فُرضَ عِلميّاً، لأن هذه البلاغة لها تاريخ منذ أرسطو إلى اليوم.

 فلنتفِقْ إذن على أن الحوار يقتضي "الاختلاف"، والحوار يقتضي "تنسيب الحقيقة"، لا يجوز لشخصٍ يدَّعي الحقيقة المطلقة أن يقول: "سأحاور".

س.   لهذا تتكلم عن الحوار داخل ما تسميه: دائرة الحوار.

ج.   الحوار لا يمكن أن يجري إلا في دائرة الممكن؛ فمن أتى بعلم مطلق أو فكر مطلق، أو اعتقاد مطلق، أو "زرواطة" مطلقة، ـ والزرواطة كناية عن القمع ـ فلا حوارَ معه، فلابد للشخص الذي يحاور أن يتفق على أن الحقيقة النافعة والمعقولة ـ وليست هناك حقيقة مُطلقة في تدبير الشأن العام والحياة والمجتمع والمدنية ـ توجد في مسافة بين طرفين أو عدة أطراف. وهي تحدد بالتوافق في منطقة من تلك المناطق. ويمكن العمل عليها. ويحتاج الناس إلى أن يلبسوا أقنعة لكي يتفاهموا؛ معنى ذلك أن يضعوا قناعاتهم المطلقة بين قوسين في انتظار اطلاق المسلسل. وهذان القوسان هما اللذان لا يوجدان لدينا نحن.

س.   تقول إن الحوار يقع داخل دائرة الممكن، لكن متى تحصل انزلاقات؟

ج.   تقع الانزلاقات إما داخل الدائرة أو خارجها. مثلا يمكن للحوار أن يكون مناظرةً بين حزب وحزب، بين باطرونة ونقابة...الخ؛ يعني أن هؤلاء أطراف كل واحد يحاول أن يغلِّب وجهة نظره في إطار ما يمكن انتازعه، ولكن يمكن أن يلجأوا إلى التهديد بالقمع أو الإضراب اللا متناهي أو تدخل قوة عمومية. في هذه الحالة مثلا ننزلق من دائرة إلى دائرة؛ ومن الدائرة إلى خارجها. ويمكن لأحد ما أن يأتي ويلقي خطبةً فيها وعودٌ وأكاذيب وأشياء وهمية فيخرج من دائرة المناظرة وحوارِ النِّد للند إلى دائرة الضحك على الآخرين أي الغواية والاستهواء.

س.   لهذا تعتبر أن هناك ثلاثة أنواع من الحوار، هي: المشاورة أولا، والمناظرة ثانيا، والاستهواء والمشاحنة ثالثا. فما هو الفرق بين هذه المستويات الثلاث؛ إذ يمكن أن تختلط فيما بينها؟

ج.   الفروق نسبية. كان أرسطو في تصنيفه الشهير الذي انتشر في أنحاء العالم عبر التاريخ قد قسم البلاغة إلى قضائية خِصامية، وتشاورية سياسية، واحتفالية جماهيرية. وقد أدخلنا نحن كثيرا من التعديلات اعتمادا على قراءتنا أيضا لفن المناظرة عند المسلمين، وانطلاقا من الواقع الذي نعيش فيه. فبعد أن حللنا مجموعة من الممارسات الخطابية تبين أن الحوار إما أن يكون تشاركيّاً من أجل التعاون لصياغة موقف، كما يقع داخل حزب منسجم؛ تجلس أطرافه وتكوِّن موقفا تعاونيا من أجل مُصادمةِ مواقفَ أخرى، هذا نسميه "تشاورًا"، لأن الهدف والغرض هو تكوين آلية للحوار مع الآخرين فيكون فيه تعاون. وبدايته اتخاذ مستشارين؛ مثلما يتخذ وزير أول مستشارين في كل ميدان، ثم هؤلاء المستشارون يمكن أين يصبحوا محاورين، لأنه سيقترح عليهم التقنين الممكن لتصريف الأفكار التي يأتون بها، فيحاورونه في مقترحه التصريفي (فيما إذا كان سيفسد المغزى) فيرد عليهم، فيتطور الحوار بينهم، ويصبحون كأنهم مناظرين له، فهم مشاورون ومناظرون، إلا إذا كان مستبدا فحينئذ سيتجاوزهم؛ يسمع منهم ثم يصرفهم. فالمناظرة هي مغالبة، (إلا في العلْم المطلق البحت حيث تكون تعاونا من أجل الحقيقة). ففي المجال الاجتماعي يحمل كل طرف نسقا ويريد أن يغلبه، ولكنه لحسه الحضاري، ولمعرفته بالآخرين وبتصوراتهم المخالفة ولاقتناعه بضرورة التعاون يضع قناعته بين قوسين ويبدأ في تصريفها مع الآخرين.

س.  ولكنها تعتمد على النظر وعلى العقل وعلى المحاججة وعلى الإقناع...

ج.   تعتمد على المنطق والمنفعة العامة؛ لأن مجال الحوار هو المنفعة، والمنافع سلم اخلاقي، (فمنفعة الجماعية مقدمة على غيرها ..الخ)، سلم لا يتسع المقام لتفصيله.

 والنوع الثالث هو الاستهواء الذي يلجأ فيه المتحدث إلى استمالة الناس أو إرهابهم. لذلك سميناه استهواء، من "الهوى"، غايته الاستمالة أو الضغط والابتزاز. ويتم ذلك بطريقين: طريق شعري بواسطة صور جميلة وأشياء أخرى فيها إغراءٌ وتعطيلٌ للحاسة النقدية عند الآخرين، ولا يتسع المقام لذكر أمثلة. هناك أمثلة في الوقع الراهن رائجة بين الأطراف المتصارعة في الأحزاب السياسية، وهي مرصودة للتخدير. استعارات سوف أكتب عنها لاحقا. وإذا تجاوز الإرهاب حده تحول إلى صراخ في القاعة. أو التلويح بآلة حادة أو كرسي... ةقد يرى بعض الناس أن هذا الجانب المغالطي والشعري ليس حوارًا؟ والأمر بخلاف ذلك فالحضارة تقتضيه دائما، لأن البديل عنه هو الحَجْر؛ ينبغي أن يدافع الناس عن أنفسهم، ما دام هذا الخيار قائما (خيار مقاومة الزيف سلميا).

س.   الأستاذ العمري، يشهد المغرب أحيانا بعض لحظات الالتباس الخطابي أو بعض لحظات الاحتقان الثقافي بالخصوص عندما ترفع شعارات من نوع الأصالة، التبعية، الهوية، الاغتراب.. إلخ، مما ينتج أحيانا فيما بين الأطراف المتناظرة والمتصارعة نوعا من تمجيد الذات وشيطنة الآخر؛ أي الاستخفاف به، والتنقيص من قيمته، إلى آخره. باعتبارك مراقبا لما يقال من كلام بالمغرب كيف تتم صياغة مثل هذا النوع من الخطابات؟

ج.  تتعلق المسألة بمرحلة انتقالية.. مثل هذه الدعاوى يمكن أن تطرح في أي مجتمع، فحين تطرح من باب الهامش والتطرُّف لا يعبأ بها، إذ يبقى المركز سليما، لكنها حين تدخل إلى المركز تصبح خطيرة تهدد مستقبل أي بلد. وهي دليل على أن الخطاب الآخر الذي يدخل في مفاهيم الديمقراطية والاختلاف والحوار واحترام الآخر وتقديم المنفعة العامة معطل أو غير فاعل؛ لذا إذا فُعِّل الحوار تصبح الأقليات ذات خصوصيات، ولا تشوش على المجتمع، ولكن الخطير الذي نلاحظه اليوم مع غلبة مظاهر الإقصاء، ونقولها هكذا: "الإقصاء" لبعض الهويات، لبعض الحساسيات، يصبح ذلك الخطاب متجها إلى المركز. وبالنسبة للمغرب أيضا .. فيه هذه الحساسيات التي تتعلق بامتدادات شرقية وغرية؛نحن كأننا واقعون في منعرج نهر تتوقف فيه كل المحمولات من أي جهة. ويحتاج فرزها إلى جهد كبير وانتباه وتربية، وإذا دخلت المركز ـ لا قدر الله ـ سوف تكون كارثة.

س.  نلاحظ خلال السنوات الأخيرة ما يمكن تسميته ازدهار بعض الكتابات التي تلتقي حول الإثارة دون اعتبار للحقيقة والإنصاف. ما تأثير مثل هذه الكتابات على التربية السياسية للمواطن؟ أي ما هو دورها وتأثيرها على الاختيارات وعلى التربية السياسية للإنسان؟

ج.  مع الأسف، في الوقت الذي نتحدث فيه عن الديمقراطية ـ ومعنى الديمقراطية الاحتكام إلى الجمهور ـ نتجه إلى إفساد الجمهور؛ نقع فيما قاله أرسطو: نعوج المسطرة ونحاول أن نرسم بها خطا مستقيما، وهو أمر مستحيل. فالجمهور هو مثل القاضي، بالنسبة لهذا الخطاب، ولذلك لا يمكن أن تقوم ديمقراطية مع هذا النوع من الخطاب، ولا يمكن أن ندعي الحداثة ونحن نفسد الجمهور الذي سنحتكم إليه. وكذلك من المؤسف، في نقطة ثانية، أن هذا النوع من الخطاب الذي ذكرته لم يعد "واقفا" عند الصحافة الصفراء الهامشية التي يصنفها الناس في صحافة الرصيف، بل دخل إلى الصحافة الحزبية، وانتقل من الصحافة الحزبية إلى صحافة بديلة، تطرح الآن في السوق، هي الصحافة المستقلة التي يقف وراءها مثقفون وأناس يدافعون عن الحداثة ويقعون مع ذلك في نفس هذا المنزلق. وهذا هو الذي يؤلمني في الحقيقة. أما أن توجد صحافة هامشية،ا صحافة الرصيف ـ كما ذكرت ـ فهذا ممكن.

س.  في هذا المناخ من التهويل والتقويل الذي مضمونه سوء النية أو سوء التقدير أو هما معا، هل الدعوة إلى تخليق البلاغة كافية للحد من هذا النوع من الانزلاقات؟

ج.  تخليق الخطاب عن طريق بلاغة الإقناع، هذا عنصر أساسي ينبغي على الدولة ووزارة التعليم والوزارات المعنية بالشباب أن تفكر فيه، وأن تضع له البرامج. فلابد أن نعطي للناس ثقافة للتمييز. فهذا نوع من رفع الأمية. صحيح أن الأمية الكتابية تستحق كل العناية، ولكن كذلك القدرة على التمييز، والقدرة على فك الخطاب أساسية.

بعد ذلك أنا أجعل أعراض الناس وسمعتهم في مقام المال والدم، الأعراض مثل الدماء والأموال ينبغي كذلك أن تكون الكلمة للقضاء حين تصل الأمور إلى حدود المس بأعراض الناس، ينبغي للعدالة أن تضبط الجميع وتقول ؛ لأنني أخشى يوما من الأيام أن تعم أصناف من التجاوزات مما نقرأه الآن؛ تجاوزات أخجل من أن أسمعها، يقولها شخص عن شخص بجسد وأبناء وبانتماء اجتماعي.

س.  هذا نوع من الانزلاقات غير المقبولة.

ج.   هذا مجال ينبغي أن يتحدث فيه القضاء.

س.  هل تنظر إلى الأمر كبلاغي متخصص أو كمواطن له أخلاق؟ يعني إلى أي حد هنا نوع من النزعة المثالية في النظر إلى مثل هذه الأمور؟

ج.  قدمت أخيرا محاضرة أمام الأساتذة في الدار البيضاء حول الكتاب المدرسي، وقلت لهم سأخاطبكم كباحث، ولكن إذا وجدتم عندي بعض الألفاظ الوجدانية فاعذروني لأنني أب ومواطن، وهذا مشترك بين الكتاب المدرسي  الخطاب الإقناعي. ولا يمكن للمرء أن يكون فيه بحثا فقط، ولكن لابد أن يكون فيه أبا وأخا للآخرين ومواطنا غيورا كذلك على مصلحة بلده، ولذلك الجانب التقني لا يكفي بل لابد أن تكون هناك عاطفة ولابد أن تكون هناك أخلاق، والمجتمع عنده الوسائل التمهيدية التي هي التعليم والتخليق، وعنده الوسائل الردعية، فمن لا يرتدع بهذه يرتدع بهذه.

س.  نعود إلى هذه العلاقة الموجودة بين البلاغة والسياسة، أو بين العلم وبين الرأي، البلاغة علم الاختلاف بالخصوص في الوسط الديمقراطي، ألا يمكن أن يؤدي تحليل الخطاب السياسي إلى خلط من طرف المحلل أو حتى للإنسان الذي يتقبل هذا التحليل فيصبح التحليل البلاغي طريقاً لتناول السياسي؟

ج.  هذا هو السؤال، الحقيقي الذي ينبغي أن يتفاهم عليه الناس اليوم لكي يقرروا إذا ما كانوا سيتخاطبون بطريقة معقولة أو يفضلون الفوضى والتدليس؛ لأنه في بعض الأحيان حين تكتب وتذكر اسم شخص أو أمثلة من كلامه تصنف كأنك خصم له؛ مثلا هو يقول أحدهم: "هذا الكتاب لا يوجد فيه كذا وكذا (وأنا أشير إلى حدث معين) من آيات الله وكتابه"، ثم يأتي في آخر الندوة ويقول: "أنا لم أقرأ هذا الكتاب". فمن العلم المقبول علميا أن أقول له في تلك اللحظة: أولا، أن تعرف أنه لم يذكر يقتضي أنك قد قرأته، ونظرا لأنك لم تقرأه فهذا الكلام باطل وفيه تدليس، وباعتبارك "شيخا" فإنما تستغل سذاجة الآخرين، وهذا عيب.

فكيف يقال لك إنك تتخذ موقفا من هذا. لا، أنا الآن ما أزال في مستوى العلم؛ وإذا لم نتفق على أن تكون عندنا قواعد أخلاقية وقواعد منطقية فهذا يكسر المنطق، وأنا أريد أن أنبهه. وهذا التكسير معروف في الخطابة عند أرسطو، وفي المناظرة عند المسلمين، وفي نظرية الحجاج والتداولية الحديثة. هذه قاعدة معروفة. إن معرفة محتوى الشيء يقتضي أولا أن يكون هذا الشيء بين أيدينا. نحن لم نره ونعرف محتواه! هذه المسألة تطرح الآن بشكل جدي.

 حقيقة أنني قد أختار أمثلة دون أخرى، هذا ربما أنا أيضا أحسه، فأنا أحرج كثيرا في ذكر أمثلة من كلام أشخاص فآخذهاا من كلام أشخاص آخرين. ففي مستوى الاختيار يمكن أن يقع نوع من الميل، ولكن أنا أيضا لا ألام. يمكن لمن يناصر الفكرة الأخرى أن يأخذ الأمثلة التي لم آخذها أنا. وربما أجد أمثلة تسعفني أكثر من غيرها في إبراز العيب فآخذها. فيقال لماذا لم تأخذ أمثلة من فلان؟ إذن يجب التمييز بين البلاغة وبين السياسة؟ ما بين  الرأي والعلم، فأن أذكر أن شخصا ما متهافتا في آرائه ومتناقضا في منطق كلامه، هذا لا يعني أنني أتخذ منه أي موقف في فكره، فليختر أي اتجاه شاء.

خاتمة.  كل هذا في اتجاه ما تسميه تخليق البلاغة وتخليق الخطاب، وتأسيس خطاب إقناعي مبني على قواعد وضوابط، الخ.

الأستاذ العمري نشكرك على هذه الأفكار المفيدة جدا. إن حرية الكلام تفترض أيضا مسؤولية عن الكلام الذي يقال، كل حرية إلا وتقتضي مسؤولية.