من ذاكرة المغربِ قبيل الاستقلال

 

 

الكتاني

 في ركاب الباشا الكلاوي

"أنا الكتاني، أنا قطب زماني"   

***

مقطع من سيرة ذاتية/محمد العمري

 ـ نشر بأسبوعية: العمل الديمقراطي. العدد5. 9-15 /12/2000.

 

الكلاوي LAGLAOUI:

طاغية، حَكم منطقة مراكش وقسما كبيرا من الجنوب المغربي.

والكتاني ALKATTANI

رئيس زاوية، أي طريقة دينية. كان مقرها بفاس.

تآمرا على استقلال المغرب، وتعاونا مع المستعمر الفرنسي ضد حركة التحرير المغربية.

 

 

يمكن استبدال العنوان أعلاه بعنوان شارح: الكلاوي يزف الكتاني.

وبذلك "كمْلاتْ الباهيا، وزاد الخل على الخميرة". كانت الطريقة الدرقاوية قد دخلت المنطقة في وقت سابق. تبين مع الأيام أن هناك مجموعة من المريدين كانت في حال سبات عميق كنوم  بعض الحيوانات في فصل الشتاء، تمارس التقية، خوفاً من البلية.

 وقبيل الاستقلال وصل الكتاني إلى الحارة. توقفتْ سيارةُ سيتروين سوداء وسطَ القرية وحولَها المخازنية على الجياد. كان بطنها المنتفخ يعد بمولود غير طبيعي. استقبله شيخ القرية وبعض الأعيان ومُريدُو الزاوية الكتانية الذين صُنِّعُوا بسرعة فائقة، من الحارة ومن القرى المجاورة، واصطف الناس يقبِّلون يد "القطب!": الرجال مباشرة، والنساء عبر منديل. للمنديل موظفٌ أو مخزنيٌّ قائم بأمره، يرفعُه ويضعه حسَبَ جنس المقبِّل؛ ذكر أو أنثى.

بين قوسين.

فرحة لم تكتمل!... لأننا في غمرة الطفولة فإننا لم نقدر الأمور حق قدرها، ولذلك انشغلنا بِ كَرَّادْ ـ أحدِ الجيران الظرفاء ـ أكثر مما انشغلنا بـِ"القطب الرباني" وما يتلقاه المريدون من بركةٍ ونورٍ من شيخ فخم شخمٍ شحم: راسبوتين المغرب. جاء من فاس! وما أدراك ما فاس! يوم كانت فاس مضرب الأمثال في العلم لا في إقامة الأعراس: "الصلا والسلام عْلا رسول الله…”

كان الوالد يقول: "العلم فَ الراسْ ماشي في فاس". أي أن الذهاب إلى فاس مظنةِ العلم لن يفيدَ إذا لم تكن هناك رغبة واستعداد وقريحة. هكذا كانت صورة فاس قبل المعاينة.

المهم، في هذا الجو الاحتفالي بدأت الزوبعة تقترب شيئا فشيئا، اقترب كراد صاحبُ حقل البصل الغض، الحقل الذي رشَّحَهُ موقعُه وظلُّه الظليل بين السفرجل والنخيل، للرفس من طرف الكتاني ومريديه. فمدوا الحُصُرَ تحت والزرابي فوقَ براعم البصل في ريعانه. عم التخوف والاضطراب، وبدأت الاستعدادات لمواجهة عاصفة  قد تقتلع الأوتاد، لأن الرجل صاحب الحقل، كما قيل، غضوبٌ وثوبٌ، لا يبالي بالعواقب. والكتاني لا يساوي عند كراد نصف بصلة. ثم لا أدري كيف احتُويت الأزمة، وأسكت الرجل أو تخطفته الجان قبل أن يقتحم على الكتاني جلسةَ البيعة المهيبة التي يسمونها "عهدا". وحُرمنا نحن الأطفالَ من المشهد الذي تأهبنا له، وأخذنا مواقعنا لمشاهدته.

رجَع الحديث. انتهت مراسيم أخذ "العهد" ولواحقُه مما لذ وطاب من الطعام، و ما إن بدأت روائح الطواجين والشواء تتلاشى حول جدران دار الشيخ، وفران الخبز يسترجع برودته حتى شبت أفران أخرى، واستعرت نارُ الحضرة الكتانية وتلظت في بيذر عند باب أحد المريدين، هو نفسُه خماسُ الكلاوي في الحارة.

خماس الكلاوي في القرية هو نفسه مُقدَّمُ الفقراء الكتانيين في الحارة،

ما كان في وسعنا وقتها أن ندرك علاقة السلطتين. كان حمير الدَّرْسِ قد صالوا وجالوا في البيذر منذ وقت قصير، وانتهت مهمتهم في انتظار موسم فلاحي جديد. أما في هذه الليلة فالدرس من نوع آخر في الظاهر والباطن، درْس بدون زرع ولا تبن أو بتبن بلا زرع، لا تَسمعُ إلا: "الله حي.. الله حي.. الله حي..ثم حي حي حي حي، الله حي.. الخ". ولا تشم غير روائح العرق العتروسي المقطر. مهرجان للأطفال لا يقل إثارة عن حفلات أحيدوس وأحواش التي نرحل لمشاهدتها في القرى المجاورة: القصيرة، تاركشت، آيت بودلال. لقد صار بإمكاننا، مع الكتاني، حضور نوع جديد من أحيدوس في "نادَرْ القايد".

كان أحد مريدي الزاوية الكتانية صديقا حميماً للوالد، يعتبره الوالد رجلاً صالحاً مفرط الطيبوبة، أو مُغرَّراً به. لم يكن يحفظ القرآن، ويرغب مع ذلك، في  الالتحاق بحلقة الطلبة بصفته "مريدا" محبا للقرآن وأهله ومؤذنا فصيحا. يكثر من إكرام الطلبة (حفظة القرآن)، شيمته التسامح، وسعة الصدر، مع ثورات للكرامة، قيل إنها كبركان نائم، إن ثارت لا تبقي ولا تذر.

يسأله الوالد عن معنى بعض الألفاظ التي يلوكونها مُحرَّفة فيقدم شرحا انطباعيا بعيداً عن معناها، فيضحك الوالد مِلْءَ صدره، ثم يقول: "هذا هو علم الكتاني"، ويردد بسخرية عبارة سارية على ألسنتهم:

 "أنا الكتاني أنا قطب زماني"!

ثم يعقب عليها ساخرا: صحيح أن من يتبعه فلان وفلان هو قطبُ زمانه.

وفلان وفلان هم جماعة من الخماسين والمستضعفين،ألحقهم شيخ المنطقة بجوقة الكتاني،وسيرهم في قافلته، وهم لا يعلمون شيئا عن الكتاني والكتانية غير "الحضرة" والكسكس... ثم أضاف الوالد مرة:

 "أَ الفقير! هل تعرف ما هو القطب؟"

 والآخر لا يجيب لأنه مَلَّ سماعَ مثل هذا السؤال، ويظن أنه يعرف الجواب الذي يريده السائل.

ـ القطب، يا سيدي، هو "بوكجدي"، و(بُوكَجْدِي، لمن لايتقن الأمازيغية، هو حرفياً: "أبو خشبة". ذلك الحمار الضعيف الثقيل الحركة الذي يقوم مقام المحور الخشبي حين درس الزرع، حمار يدور في مكانه لا يغادره، وَيدور حوله الحمير في نظام وانتظام، ذلك هو القطب مهمته تثبيت الحمير حتى لا يخرجوا من الدائرة المرسومة).

لا يلتفت الرجل عادة إلى ما يقوله الوالد. يكون حينئذ قد انهمك في الذكر يسحب حبات سبحته بنشاط وانفعال، قبل أن يرتخي وينام.  وإذا ما استحثه أحد الحاضرين بنظرة أو كلمة للذود عن الحِمَى أجاب بتكاسل، وربما تصنع التثاؤب واضعا يده على شفتيه قلةَ اكتراث: 

"ليقل السِّي عبد الله ما يريد. لو هداه الله لقرأ حزبا من القرآن، ذلك خير من هذا الكلام، وأنفع له يوم القيامة . أما الدرقاوي فهو عندنا: "الضُّرُّ القويُّ". لعل هذا التوظيف الصوتي لاسم "الدرقاوي" قد حققق الهدف ي المرة الأولى، غير أن جواب الوالد سرعان ما كسف لونه إن لم يكن قلب قيمته الحجاجية رأسا على عقب حين ردَّ عليه:

"أراه بالدال ألفقير! أراه الدر القوي" 

كان هذا الحوار يغري الوالد وينشطه قبل أن يطلع على آراء الوهبية وحملتها على البدع، إذ اكتشف أن الكثير من أنشطة حفظة القرآن الذين ظل مقدَّمَّهم في المنطقة عقودلاً مجرد بدع تشغل عن عبادة الله، إن لم تؤدِّ إلى مخالفة الدين أصلا. "فجرم" هذه الأنشطة وقاطعها. كنا نشاكسه بالقول بأنه إنما قاطعها بعد أن شاخ، ولم تعد المعدة فعالة، فيضك، ويقول: "الله أعلم، الأعمال بالنيات...!"

لم يستطع التشكيكُ والقدحُ الذي مارسه بعض الدرقاويين أن يقنع طائفة من المريدين من ذوي النيات الحسنة أن وراء اللحية الكثيفة، والخدود الموردة، والجبة البيضاء الوهاجة، عميلا للاستعمار، ودمية يحركها الكلاوي، في مسرح عرائس آيل للسقوط.  

 

تحرك الدرقاويون وقتَها لِلَمِّ شتات صفوفهم عن طريق بعض جلسات الذكر، وفجأة أسمع الوالدَ يغني الأذكار بصوت شجي وهو متوجه إلى دار الفقير عبد الرحمن رئيس المجموعة الدرقاوية بالحارة. ويأخذه الحنين للسفر عند رئيس الطريقة في فاس أو مكناس، لا أدري. و يهم... يتهيأ للسفر، ويكاد ثم لا يفعل.. وفي يوم من الأيام يحضر شيخ الطريقة أو نائبه إلى المنطقة، لا أدري أيَّهما، إلى الحارة على بغلة مزينة، فيجتمع المريدون في منزل الفقير عبد الرحمن، ويجمعون الهدايا. ويتردد في هذه المناسبة اسم مولاي حميد الفراوي باعتباره صلة وصل بين درقاويي المنطقة والزاوية البومسهولية، وصولا إلى رئيس الزاوية.

أتى الوالد هذه المرة بكتاب أذكار، بل كتاب أشعار لعله لمحمد الحبيب، سلمه لي دون تعليق، حفظت بعضه ثم نسيته، لا أذكر منه شيئا.

لماذا كان الدرقاويون كامنين إلى حين مجيئ الكتاني؟ هل لذلك علاقة باصطدام بعض شيوخ الزاوية في المنطقة مع الكلاوي؟ على كل لم يكن في مقدورنا وقتَها أن نعلم أن الحاج التهامي الكلاوي هو نفسُه الذي زرع رصاصات قاتلة في صدر شيخ الزاوية البومسهولية، مولاي عبد المالك، بعد أن رفض استقباله هو ومن معه من الضباط الفرنسيين في طريق عودتهم من حركتهم سنة 1919 إلى سجلماسة وما حولها، حين وَبَّخه الشيخُ على إدخال الكفار إلى بلاد المسلمين.

قال جاك لو بريفوست JACQUES LE PREVOST.

"تابعت الحملة سيرها عبر دادس. وفي إماسين توقفت بزاوية الشريف عبد المالك الذي كان يعادينا بشراسة، ورفض الظهور إلينا، مكتفيا بإرسال ابنيْه إلى الجنرال لَموث للقيام بواجب الضيافة. اقتحم الجنيرال والكلاوي الزاوية، ومع ذلك ظل عبد المالك يرفض المثول أمامهما. وقتها استولى غضب أسود على التهامي، فتقدم بنفسه لاستخراج هذا المتمرد، وقاده إلى الجنيرال الذي كان هدفا لوابل من شتائمه الموجهة للمسيحيين. لم يستطع الكلاوي ضبط نفسه طويلا فأخرج مسدسه وأردي الشريف قتيلا ببرودة". (في  (El Glaoui. p.113-114:

أردف لو بريفوست، بعد وصف المشهد مُقوما الحَدَثَ من زاوية نظر الفرنسيين الذين جاءوا (لتعليم المغاربة مبادئ الثورة الفرنسية ودفعهم في طريق الحضارة)!:

"تلك عدالة مستعجِلة خلصتنا من عدو لا أَمَلَ في رده عن غيه، كما خلصنا من مركز رهيبٍ للتعصبِ. غير أنه تَلزم المرءَ جرأةٌ مثلُ جرأة الكلاوي لكي يسمح لنفسة بمثل هذا السلوك".

 

نعم التاريخ يشهد على ذلك من 1919 إلى 1965...

تلك جرأة أعجبت الفرنسيين في عدة مناسبات، ووجدوا من ينوب عنهم في تنفيذها. ومرت الأيام واتسَع الخطب ولم يجد الفرنسيون بدا من إرسال سيارتين رسميتين وضباطَ شرطة لمقابلة المهدي ابن بركة، ولأنهم متحضرون ينزعجون من رؤية دماء الخرفان وهي تذبح في عيد الأضحى فقد ابتدعوا طريقة لذبح المهدي لم تَسِلْ معها قطرة دم! ولم يجدوا من ذلك اليوم الجرأة لفتح صنادق القضية، إذ مازالت عندهم ذرة حياء. برغم نسف زورق Green Peace . .

 تلك عدالتهم!