Zone de Texte: وداعا رائد الكفاح الوطني
في تأبين الفقيد محمد الفقيه البصري
 

 

 

 

 


 

Zone de Texte: كتبت التأبين التالي عند وفاة الزعيم الوطني الاتحادي محمد الفقيه البصري. ولأن جريدة الاتحاد الاشتراكي قد كانت فتحت صفحاتها لتلقي التعازي. فقد وجهت تعزيتي إلى الجريدة عن طريق الفاكس كالعادة مقدمة بالعبارة التالية: "الأخ المحترم الأستاذ لحسن العسيبي/تحية طيبة عزاؤنا واحد في فقد المناضد الكبير السي محمد الفقيه البصري. أرجو إدراج التحية أدناه في صفحة  الشهادات والتعازي الخاصة بالفقيد. (ويظهر أنها لم تنشر)

 

جاءت لحظة الفراق مفاجئة وبدأت الخلاصات بعيدا عن التحفظات اللحظية والحسابات الضيقة، هنا قال البعيد قبل القريب، والخصم قبل الحليف: "كان رجلا صادقا"، "كان رجلا شجاعا"، "كان رجلا وطنيا مخلصا، صريحا، لم يبدل تبديلا"..إلى آخر هذا المعجم النضالي الإنساني. هكذا قال الخصوم، هكذا قال الأصحاب، ولا عبرة بغيرهما في المجال السياسي.

أيقنت الدولة، بعد عناء، أن تجاوزه أو الالتفاف حوله للعبور نحو الضفة الأخرى ـ نحو طي صفحة الماضي ـ أمر متعذر فأصرت على أن يكون في اللحظة الحاسمة، وأصر هو أن تكون عودته عودة للجميع. وهذه لغة لا يفهمها الجميع.

الفقيه البصري بالنسبة لجيلي مثل جمال عبد الناصر تماما: ريح الحرية، وحقنة الكرامة والتحدي مهما كانت شراسة الخصم وقوته. الأول حرر شعوبا من عقدة الأجنبي المستعمر مستثمرا الحس القومي بما له وما عليه، فمن خلال الناصرية أحسسنا أننا لسنا وحدنا، أي لسنا ضعافا سائبين بدون سند أو بعد استراتيجي. والثاني حررنا نحن المغاربة من رهبة المخزن الذي عاد بعد الاستقلال لمصادرة الحرية والكرامة بأقنعة شتى لم يقبل رفع بعضها إلا بمواجهة خيار الوجود والبقاء. وكان خيار الفقيه رحمه الله هو إما الوجود بكرامة وإما "بْلاش".

فأين تلك النبتة التي رفعت رأسها نحو شمس الحرية طوال العقود السوداء دون أن يكون لها عرق في ذلك المجرى الذي غذاه الفقيه البصري ورفاق الفقيه البصري؟ وأين ذلك الحق الذي تسلمه مفاوضون غير مسنودين بمصادمين؟ وأين تلك "الوردة البلدية العطرة" بدون شوك؟ أتذكر بالمناسبة كلاما صادقا صدر عن أحد الزملاء في اجتماع نقابي بكلية الآداب بفاس، حين ضجر من تبجح بعض الطارئين على الساحة النضالية من الشعباويين الذين لم تصمد لهم قدم عند الشدة، وهم يبالغون في نقد توجه سياسي وطني، إذ قال بالعبارة: لولا أولئك المناضلون لجفف بكم المخزن الأرض ومسح الخ 

التقى بعضنا بالماركسية فأخذ لونها، والتقى البعض بالإسلام السياسي فأخذ لونه وكذب البعض على الليبرالية فتمسح بها بذيولها، وظل "التحرير" محركا لكل من صدقت نيته في مواجهو الفساد؛ تحرير الإنسان بعد تحرير الوطن. وبقي الفقيه البصري مخلصا لهذا الجذر المشترك داعيا، بدون كلل، إلى سحب الألوان ولو مرحليا من أجل التحرير: كيف نتنازع في شيء لا نملكه، هذا هو الهم وهذا هو السؤال الذي يؤرق الرجل إلى آخر يوم من حياته. هذه أوراق سيرتبها التاريخ.

رجع إلى المغرب وقد دارت رحىً تطحن التاريخ من أجل المواقع السلطوية، والمنافع الآنية، فكان من جملة العقد التي رأى البعض طحنها فصمت ولسان حاله يردد المثل القديم: "لو ذات سوار لطمتني!".

ومضى إلى رحمة االله ليظل في ذاكرة المغاربة والعرب أحدَ أبطال النضال الذين لم تنحنِ قاماتهم للسلطة والمال.