الشأن الفلسطيني في لغة المغاربة

بين قدسية القضية والفتنة الطائفية

 

محمد العمري

[نشر بجريدة الاتحاد الإشتراكي /المغرب/  بتاريخ 12/07/2007]

 

كثيراً ما افتخرنا نحن المغاربة على إخواننا المشارقة المجاورين لفلسطين بأن موقفنا جدير بأن يكون أقربَ إلى الصواب في التعامل مع القضية الفلسطينية. وذلك لأننا نتعامل معها باعتبارها قضيةَ تحررِ شعبٍ اُغتصبت أرضُه، أولا، ثم قضية أرض ومقامات تربطنا بها علاقات تاريخية وعاطفية، ثانيا.

كانت هذه قاعدةً عمَّت الموقفَ الرسمي للدولة ومواقفَ الأحزاب والمثقفين، وعبرت عنها دائما وسائل الإعلام المغربية على اختلاف مشاربها. وقد لعب المغرب دوراً رئيسيا في جعل منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني في سياق تاريخي صعب، الشيء الذي جر عليه غضبَ جيرانِ فلسطين الذين اعتادوا فرض وصاية على القضية . ولم يَحِد المغاربة عن هذا الموقف برغم كل الأخطاء التي ارتكبها هذا الطرف أو ذاك من الفلسطينيين في حق المغرب وقضيته الأولى، سواء كان ذلك نتيجة ابتزاز جيران المغرب، أو كان في إطار الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والإمبريالي.

إن هذا السياقَ المغربي يجعل المرءَ يطرح أكثر من سؤال وهو يلاحظ الانخراطَ الكليَ لجريدة مغربية إلى جانب طرف من الأطراف الفلسطينية المتصارعة، وهجومها غير المتحفظ على طرف آخر. ويزيد الأمر تعقيدا حين تكون الجريدةُ مزدوجة الهوية بين حزب سياسي وجمعية دعوية، مثل جريدة التجديد، فهذا الواقع يثير كثيرا من الأسئلة التي يجب أن يطرحها هؤلاء الإخوان على أنفسهم، نقتصر منها، في هذه المناسبة، على سؤال واحد:

ـ ما الذي يجعل هذا المنبر يخرج عن القاعدة العامة التي سارت عليها الصحافة المغربية، والمفترض أنه يتغذى من نفس التربة التي تغذت منها وسائل الإعلام المغربية التي انحازت إلى القضية (بدل الطائفة)؟

إن "علم نفس الخطاب" يطرح أسئلة محرجة على هذا السلوك. فحين يكون الموقف صادراً عن حزب سياسي برلماني، يفترض أنه حزب ديمقراطي، فحينئذ يُخشى أن تكون فلسطين مجرد رمز وصورةٍ لواقع آخر، يخشى أن تكون فلسطين مجرد بدائل كافية لتمثيل الواقع المغربي.

إن تأييد حماس ـ مثلا ـ في رفضها الانصياع لقرار الرئيس الفلسطيني بحل الحكومة وإعلان حالة الطوارئ، تأييد هذا الرفض من طرف التجديد يطرح سؤالا، ويثير مخاوف. ذلك أن من يؤيد هذا الموقف مرشح لممارسته عندما تضعه الظروف في نفس المأزق، وإلا سيكون قد أخل بالأمانة حيث أيد موقفًا خطيراً لن تتأخر عواقبه. إن من يؤيد هذا الموقف ـ الذي أمتنع عن وصفه بما يوصف به في منطق السياسة والحكم القائم على دستور ـ ينشر ثقافة سيكون أول من يجني زوابعها عندما يوضع في نفس الموقف، وذلك حين تطلب منه قواعده سلوك نفس السلوك، حتى ولو حاولت القيادة التلاؤم مع الظروف.

وبعبارة صريحة: هل هذا هو الموقف الذي سيقفه حزب العدالة والتنمية لو حصل غدا على أغلبية انتخابية، أم سيقبل تصريف الأمور حسب الإمكان؟ أي حسب السياق الوطني الهش، والدولي المتوجس من كل ما هو ديني وإسلامي؟

المعروف في فقه السياسة أن قبولَ شيءْ من الغبن أحسنُ بكثير من دفع الأمور إلى خط اللارجعة. وخط اللارجعة هو الذي وُضع فيه الفلسطينيون الآن بتحريض من جهات عربية وإسلامية لن تفيدهم في شيء. إن نقص الخبرة السياسية والجشع المتمثل في السعي إلى قطف الثمار قبل نضجها لن يعطي أكثر من وضع السودان وأفغانستان والعراق، وما وقع في الجزائر، ثم ـ والأسف كبيرـ فلسطين ولبنان.

وقد أدى هذا "التحيز" إلى ظهور طابع ثان غير متلائم مع الثقافة المغربية في لغة جريدة التجديد (وهي جريدة حزب وجمعة، كما ذكر). نجد ذلك في تبني لغة القذف والتخوين في المجال السياسي (الفلسطيني). وذلك باستعارة ألسنة السوء كما سيأتي.  فبقطع النظر عن إجماع القوى الحية في المغرب على إدانة السلوك المخزني الذي هو سلوك قل أن يجد أبا له (لا أحد يقبل لا أن ينسب إليه) فإن الحديث بين الأطراف السياسية العاملة في إطار الدستور ظل مؤدبا إلى حد كبير، حتى غير المحترم يصبح محترما حين تأويه المؤسسة (البرلمان مثلا) نادراً ما تصدر ألفاظ جارحة من مسؤول حزبي في حق  مجموعة أو حزب آخر. وكل ما هناك، في الغالب، استعارات تشخص واقعاً صار من المسلم به حتى بالنسبة لأصحابه، مثل: "أحزاب الكوكوت منيت".

أما لغة الأطراف الفلسطينية التي تروجها التجديد بما تنقله أو تحيل عليه مخطوطا أو مسموعا (والعياذ بالله) فهي لغة غريبة عن قاموس السياسة المغربية في الوقت الراهن. من معجم هذه اللغة: الخونة، والعملاء، والمجرمون، والقتلة، والمتصهينون... إنها لغة القطيعة. إن حاكي مثل هذا الكفر إن لم يكن كافرا ـ وهذا يقيننا ـ يلوث الفضاء ويروج الفتنة.

من المؤسف أن هذه اللغة المتحيزة المقذعة تعدت السياسيين الحركيين والصحافيين المسخرين إلى أقلام من كانوا يحسبون على الفكر والزعامة الدينية. اكتفي هنا بنموذج لكل حالة: النموذج الأول فهمي هويدي؛ نشرت له التجديد مقالا بعنوان: "خيارات حماس إزاء الحصار المطبق. كان ذلك "في بداية الأزمة؛ بتاريخ 19/4/2006. في الفقرات التالية التي ننقلها من المقال يجعل المفكر الإسلامي السلطة الفلسطينية وحركة فتح في كفة واحدة مع إسرائيل، ويجعل حماس في كفة أخرى، ويقدح في المشاركين في مفاوضات أسلو. وهذا كلامه الذي كان تمهيدا لتصريح عنيف لمشعل اضطر للاعتذار عنه، كما هو معلوم:

 " في الوقت الذي كانت إسرائيل تواصل فيه قصف غزة بالصواريخ، كانت قيادة السلطة الفلسطينية مشغولة بقصف آخر، استهدف تقويض حكومة حماس.

إسرائيل مارست استقواء أرادت به تأديب الفلسطينيين، والتأكيد على أنها صاحبة اليد العليا في المنطقة. أما قيادة السلطة فقد مارست استقواء من نوع آخر، أرادت به إفشال حكومة حماس، والتأكيد على أنها صاحبة الكلمة الأخيرة في غزة والقطاع (بعد الإسرائيليين بطبيعة الحال)...

فما فعلته إسرائيل كان تعبيرا عن وحشية مشروع شرير لدولة احتلال، أما ما فعلته قيادة السلطة فكان أقرب إلى الكيد الذي يعبر عن مرارات مجموعة من الذين انتفعوا بالسلطة واستأثروا بالثروة، وأصروا على استمرار احتكار الاثنتين، رغم أن الأغلبية لفظتهم حين أتيحت الفرصة للاحتكام إلى الشارع في الانتخابات الأخيرة".

لنعد الآن إلى عنوان مقال هويدي ونتساءل: ما هو الخيار الذي يقترحه هويدي ضِمْنا على حماس؟ إنه خيار واحد، لا ثاني له: هو معاملة السلطة وفتح بنفس معاملة إسرائيل. وهذا ما فعلته حماس أخيرا، وها هي النتيجة في غزة والضفة!

 والمقال الثاني مقال حديث، لرشيد الغنوشي بعنوان: "إلى أين تتجه أوضاع النزاع بين سلطة غزة وسلطة رام الله؟ - نشرته التجديد بتاريخ 27/6/2007. جاء فيه:

"النزاع واضح، وتبلور بالخصوص بعد أوسلو، هو بين "سلطة وطنية" مضمونها الأساسي مشروع أمني يستمد مبرر قيامه واستمراره من حمايته للكيان الصهيوني من كل مقاومة ضده، تطل برأسها.

في هذا السياق تم تشكيل وتدريب وتثقيف وتمويل هذه "السلطة الوطنية"..."

وهو يسير في نفس السياق الذي سار فيه مقال هويدي: التخوين! خاصة حين يتحدث ـ سامحه الله ـ عن "المتصهينين" نعتا لبعض من يخالفه الرأي من الفلسطينيين، ويقترح نفس المسار التصادمي.

من القضايا التي تنطوي على مغالطة، في خطاب هؤلاء، "الهجاءُ" بالتعامل مع أمريكا، والتدحرج  من ذلك إلى الحديث عن الأمركة "المتأمركون". هذا في حين أن التعامل مع أمريكا، رغبا ورهباً، أمر لم يعد يقف عند أنظمة الحكم التي تمارسه رغبا ورهبا، ومنها المغرب، بل سعت إليه (أو دُفعت إليه) المنظمات الإسلامية المختلفة من المجاهدين إلى الإخوان المسلمين (حيث وُجدوا، في كل بقاع العالم) إلى الإخوان المتصوفين حالمين ومتسيسين؛ من بن لادن إلى نادية ياسين، إلى ما بينهما، والحر يفهم بالغمزة. والفرق هو أن الأنظمة، ومن يدعمها من "العلمانيين" و"علماء الدين" أيضا، تدخل/يدخلون من الأبواب الأمامية؛ تحت أضواء الكاميرات، في الغالب، أما "الإخوان في الله" على اختلافهم أطيافهم فيدخلون من الأبواب الخلفية، وحين تعرض صورهم، بعد حين، على الملأ داخلين خارجين فإنهم يتحدثون عن "التقاء المصالح"، ويتحدثون عن التحالف مع الشيطان من أجل أهداف نبيلة، هذه الخدعة التي تجوز فعلا على جحافل الأميين مصوتين ومنتحرين.

أيها الإخوان المحترمون، كَفَى من استيراد هذه البضاعة الفاسدة، إن لغتنا المغربية في هذه القضية ـ وفي قضايا أخرى كثيرة ـ أحسن من لغة كل ما يقع شرق وجدة. ولا تغرنكم ألقاب الشيوخ والزعماء والمفكرين، "فلو كان الخوخ يداوي لداوى رأسه". ماذا غنش الغنوشي للتونسيين؟ وماذا هود هويدي للمصريين؟ لا شيء، والقافلة هناك تسير حيث شاء لها القادر المقتدر. والسلام عليك ورحمة الله.

.