أَسْمَعُ وَأَرَى

 

فهرس

1 ـ تحياتي لروائح النَّحل العائد

2 ـ العلمي والسياسي بين التفكير والتدبير

3 ـ الصُّولْدْ السياسي

4 ـ أَلُو، ثابتْ! من عَلَّمَكْ؟

أو: "ثابت"، "علامة" غير مسجلة بعدُ !

5 ـ الحَكْـيُ جَمِيلْ  رسالة إلى السيد ناعسْ دْماغُو

6 ـ  كلام خارج دائرة الحوار

تعليق على "حوار" برلماني حول الخطة

خوارج القرن العشرين (منقحة)

8 ـ تعليق على حديث الأستاذ عبد الله لطيب

شرودُ المحدِّث  عن "أّحْسَنِ اَلْحَدِيثْ"(2/1)

تعليق على حديث الأستاذ عبد الله الطيب شرودُ المحدِّث  عن "أّحْسَنِ اَلْحَدِيثْ"

9 ـ شيخ للاستعمال ! "سَرق العيد، كأن العيد أموال اليتامى"!

10 ـ مباشرة الإنصاف والتخليق في تصريح الوزير الأول

11 ـ  المتحاسسون حول الخطة

تعليق "متأدب" على بعض أقول الأستاذ الحبيب  الفرقاني.

12 ـ من الشماخ إلى القرضاوي

 

 

 

 

 

 

ـ1 ـ

تحياتي

لروائح النَّحل العائد

محمد العمري

 

 1 ـ سمعت منذ أربعة عقود

       اللهْ ألوطنْ،

       إِسْمُنْ أَضُو تِزْوَا اللِّي جْلانِينْ

هذا البيت  الشعري هو نواة أغنية وطنية أمازيغية.

ترجمته الأقرب إلى الحرفية:

الله على الوطن جَمَّع هواه النحْلات الضائعة.

(أو جمع شملها ولم يترك منها شاردا).

والترجمة التي أجدها في نفسي الآن، الترجمة التي ترد عجوز الزمن على صدره هي:

 الله عليك ياوطني!

 ها أنت تسترد روائح نحلاتك الضائعة.

سمعت هذا البيت منذ أكثر من أربعة عقود؛ عند عودة الوطنيين من منافيهم يتقدمهم محمد الخامس رضوان الله عليه كما تتقدم الملكة النحل. سمعت بنات قرية"الحارة"، على وادي درعة، يتغنين بين النخيل مبتهجات بالتحاق النحل بخليته.

لم أكن وأنا طفل صغير، ولا كانت الفتيات الصغيرات اللواتي تغنين به وقتها في حاجة إلى من يشرح لنا معنى الوطن، ولا من "يقرر" لنا العلاقة المجازية بين الوطنيين المنفيين العائدين من المنافي وبين النحل الضائع الذي يلتحق بالخلية بعد عناء. فنحن نشاهد العملية فصلا بعد بفصل. يجمع أغلب النحل الوليد ليوطن في خلية جديدة، ويبقى بعضه ضائعاً يحوم حول المكان، أو يطير هنا وهناك، ثم يلتحق بالخلية بعد عناء، إن لم يضع نهائياً. وقد تقتحم الخلية بع اجتماعها أو جمعها خنفساء فتاكة ـ غاب عني اسمها الآن ـ فتخرب الشهد وتطرد النحل.

ما الذي وقع حتى بقيت روائح نحلنا خارج الخلية أربعة عقود، تعود ولا تعود؟

مشاهد كثيرة تعيد البيت الشعري الأمازيغي المبتهج بعودة النحل، ولكنه يعود منغصا بهذا السؤال.

2 ـ رأيت بالأمس واليوم

/  رأيت بالأمس القريب المناضل الصلب أبراهاه السرفاتي يُستقبل بحرارة في المطار من طرف وزير العدل بالتحديد، والناطق باسم القصر الملكي بالتحديد، فقلت في نفسي:

لعل مياها جديدة تجري تحت جسرنا،

 أحقا صدق، من  قال قبلُ:

"سنرجع يوما إلى حينا"(؟).

وعندما ركزت عيني على العربة لف الحزن غبطتي، وبقيت في حالة أقرب إلى التشنج. كان السخط على الجلادين مباشرة، في الماضي، يحرر الشحنة الوجدانية ويريح نسبيا، فمبرارته جاهزة،ومشروعيته قائمة، وكانت الفرحة بدورها ممكنة الآن لولا أنولكن

في لحظة شرود بدأت الأفكار المتعارضة المتناقضة تغزو الصفحة كأضواء لوحات الإشهار، يقع بعضها على بعض يبادله ولا يلغيه

قلت: من يعوض أيام حياة مواطن وصحته؟ وتذكرت في الحين قول أبراهام: لا للتغريب، السجن في الوطن أحب إلي. الوطن هو العزاء إذن. الوطن يصبح غاليا بقدر ما يسعى الجلادون لاجتثاتنا منه! خسئ الجلادون!

نسترجع ما تبقى من صحة السرفاتي، نعوضه عما ضاع احتراماً، ونبادل حبه حبا، حبةً بألف. حب الوطن وحده يستوعب تلك المحنة.

// وَسمعت أننا سنستعيد رائحة المهدي في أبنائه ونشم رائحته في كل مكان؛ مدفونا أو مذابا،رائحته تضوع، لن تضيع . قالوا: مدفون هناك، قالوا: مدفون هنا، قلنا: مدفون في كل مكان. "ننتظره" إلى ما لا نهاية، ونجده في مكان بدون نهاية. ونقول مع الشاعر العربي المكلوم في أخيه ردا على من عاتبه على البكاء عند كل قبر، وعلى كل هالك:

فقلت له: إن الشجى يبعث الشجى، 
                فدعنــي، فهـذا كلـه قبــر مـالك!

هذا الكون كله قبر مالك، هذا الكون كله يضم المهدي.

/// وَسمعت أننا سنستعيد رفات عبد الكريم الخطابي من العباسية، من أرض الكنانة، هذا ما قرأته هذا الصباح في أعلى الصفحة الأولى من الاتحاد الاشتراكي(20/10/99) بهذه الصيغة: " آخر خبر: رفات المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي قد ينقل إلى ارض الوطن". هذا ما صرح به سعيد الخطابي نجل زعيم ثورة الريف لوكالة الأخبار الإسبانية في أعقاب استقباله من طرف جلالة الملك. وتنتهي القصاصة بهذه التنبيه: "ويُذكر أن سعيد الخطابي، الذي يقيم في القاهرة، صرح لوكالة المغرب العربي للأنباء، بهذه المناسبة، أنه قدم إلى المغرب خصيصا من أجل تحية جلالة الملك محمد السادس لدى وصول جلالته إلى الحسيمة".

//// رأيت على الشاشة الصغيرة صورة الفكاهي يزيز الممنوع على المشاهدين من سنين طويلة. وقرأت في نفس المكان من نفس الجريدة (22/10/99): "وأخيرا أحمد السنوسي (بزيز) على شاشة التلفزيون". ثم ينتهي هذا الخبر بالأمنية التالية: "نتمنى أن يكون هذا الظهور إيذانا بإغلاق ملف من "الملفات العالقة" المعروففة لدى الجميع في الداخل وعلى نطاق العالم بأسره"(أتمنى، من جهتي، ألا يكون السي عبد الرحمن اليوسفي، الوزير الأول، ومدير جريدتنا هو نفسه الذي "يتمنى"، وإلا ماذا نقول نحن؟).

 ظهر بزيز بعد أربع عشرة سنة من المنع وقد غزا الشيب مفرقه. لقد شاب بزيز في طاعة فنه، وعصيان أصحاب الدكاكة، استعصى على الترويض، فغزا الشيب مفرقه بعيدا عن أعيننا. غدا يحدثنا بما فعل ربك بأصحاب الفيل.

 تقول الأغنية: النحل، الرائحة، الوطن، الخلية، الانتماء، الوطنيون، المناضلون

وقال الواقع: الزنابير، اللسع، الزنازين، الاختطاف، العملاء، الجلادون، المختطفون، المعتقلون، الجثت، الرفات..

وحين يقول المكْلومون: نريد الرفات، نريد دفن موتانا. نريد رائحةً تلخص الزمان والمكان، لا يفهم الجلادون شيئا؟ خسئ الجلادون! نغصوا فرحتنا بالوطن أربعة عقود، ومرغوا سمعتنا في الوحل. وها نحن كالبادئ من الصفر.

 

هنيئا لنا بمن عاد بجسمه كاملا بعد أربع عشرة سنة أو اقل أو أكثر، هنيئا لنا بمن عاد محمولا على عربة بعد ربع قرن أو أطثر أو اقل، هنيئا لنا باسترجاع الرفات الذي نعرف أين هو. ولنتعقب الغربان بحثا عن الآخر؛ عن الرفات الذي لا نعرف أين هو. سيظل "صداه" يرفرف حول آذاننا معلقا بأعناقنا. خسئ السفاحون وتجار الظلام. "ولا بد لليل أن ينجلي".


 

ـ 2 ـ

العلمي والسياسي

بين التفكير والتدبير

 

على هامش ندوة: الجامعة والعلوم الإنسانية والشراكة بمدينة المحمدية، وحول مائدة الغذاء، كان النقاش بين زميلين من الباحثين المشاركين في الندوة على أشده. الموضوع هو: ما مدى إمكانية الجمع بين البحث العلمي والعمل السياسي. كان الموقفان في البداية على طرفي نقيضين: "لا يجتمعان"، "بل يجتمعان".

ومع الحوار وقرع الحجة بالحجة وتوارد الشواهد والأمثلة، من هنا وهناك، بدأت الهوة تدفن عمليا. انتقل أحد الطرفين من: "لا يجتمعان"، إلى: "لا يتحقق أحدهما إلا على حساب الآخر". وانتقل الطرف الثاني تبعا لذلك إلى الصيغة التالية: و"لكنهما لا يتنافيان". وبقيت العبارتان تتكرران عدة مرات؛ بنصهما العربي أو بترجمتهما الفرنسية فيما يشبه حوار الصم.

(الأمثلة التي حاولنا نحن الفضوليين تغذية النقاش بها كانت تحترق ـ في الظاهر ـ من شدة الحرارة في الطريق قبل وصولها إلى الأسماع.)

قد توحي الصيغة الثانية التي وصل إليها النقاش بأن الخلاف بين المتحاورين انتقل من الدفاع عن المحتوى إلى الدفاع عن المواقع الأولي قبل النقاش، ذلك أنه يمكن دمج الرأيين في جملة مقبولة صحيحة: العمل السياسي والبحث العلمي لا يتنافيان حتى وإن بدا أن أحدهما ينجز على حساب الآخر.

رغم أني كنت ضد الصيغة الأولى "لا يجتمعان"، وذكرت في تعضيد الرأي الآخر بعض الأمثلة المغربية المشرفة، فإن الصيغة الثانية جعلتني أعيد النظر فيما كان يبدو لي مسلما. فلئن كان  العمل السياسي فرْض عين على العالم، فإن فرضيته تشبه من بعض الجوانب فرضية النهي عن المنكر في المظور الديني. المهم ألا ينعدم الإيمان به.

في هذه الحالة سيكون هناك مكان لكل الأمثلة والحالات الوسطى والمتطرفة: ابتداء من العالِم الذي يكتفي بإنجاز عمله العلمي في مختبره في أفق إنساني حضاري إلى العالم الذي يتحمل مهمة ثقافية خارج المختبر في جمعية حقوقية أو ثقافية عامة إلى العالم الذي يخطو خطوة أكثر إلى الأمام فيخوض في مجال السياسة الآنية مسخراً موقعه العلمي في أفق حضاري إنساني. والأمثلة على ذلك كثيرة من سقراط إلى الجاحظ، ومن الغزالي وابن رشد إلى زاخروف وشومسكي....وغيرهم.

ومع ذلك لا بد إذن من إعادة النظر في المسألة لفهم الأسباب التبي تجعل الخطاب حول العلي والسياسي تأخذ كل هذه الحدة، وتقتضي كل هذه المفاوضات العسيرة.

يظهر من خلال الأمثلة التي يتذرع بها عادة أن هناك التباسا عفويا حينا ومتعمدا حينا آخر بين العلم والثقاة من جهة والسياية والإدارة من جهة ثانية. فالحديث عن العلم بشكل إيجابي يستحضر الثقافة، والواقع أنه ليس هناك تلازم بالضرورة بين العلم والثقافة. والحديث القدحي عن السياسة باعتبارها عائقاً للعلم (وللأخلاق أحيانا) يستحضر أساليب الوصول إلى الشأن العام  والانشغال بتدبيره شؤونه. وليست هذه هي السياسة التي ينبغي أن ينصرف إليها الذهن في هذا المستوى، وإلا فمن حق العالم المثقف أن يلعن الجذر المعجمي (س ي س) وكل مشتقاته كما يعزى إلى بعض رواد الإصلاح. إن من يصر على التقريب بين العمل العلمي والسياسي ينطلق من اعتبار العالم مؤهلاً قبل غيره لأن يكون مثقفاً.

لعل ذلك المفهوم القدحي للسياسة كتدبير هو الذي جعل أحد أشهر الصحفيين العرب ممن جربوا منصب الوزارة يهنئ باحثاً عربياً على الاستقالة من منصبه الوزاري، وذلك لاعتقاد الصحفي الكبير أن المثقف الحق من عيار الشخص المعني إذا دخل الوزارة راغبا فقدْ فقدَ نصف عقله، ويبقى أمامه احتمالان إما أن يستقيل في الوقت المناسب فيحتفظ بذلك النصف المتبقي، وإما أن يظل متمسكاً بموقعه حتى يعزل فيفقد النصف الثاني.

حين كنا نستمع إلى رواية هذا الحديث من الشخص المعني اِنحنى على أذني أحد أصدقائه هامساً بلكنته المحببة: "يا محمد‍‍‍! هل تظن صاحبنا يستقيل لو كان وزيراً في المغرب؟"

كان جوابي بسمة خفيفة متواطئة.

ولاشك أن الحديث عن العلم والثقافة لا يأخذ بعين الاعتبار الألقاب الإدارية خاصة في واقعنا الجامعي حيث صفة باحث صفة إدارية غير مشروطة بالبحث العلمي، لا نلتقي بها في الغالب إلا في بيان الالتزامات، كما لا يأخذ الحديث عن السياسة صفة وزير بعين الاعتبار ما دامت هي الأخرى غير مشروطة بالسياسة كما تدل الوقائع والأعراض. الوزير السياسي هو الذي يرهن وجوده في الوزارة بالبرنامج الذي جاء من أجله، أي يجعل التدبير تابعا للتفكير، لا لغير ذلك من المطالب والرغائب.

وأخيراً: إذا كانت مهمة الثقافة والمثقفين هي قراءة الواقع قراءة نقدية، واستشراف المستقبل في ضوء المعطيات الذاتية والمتغيرات الكونية، فلا بد أن يتساءل المرء عن أهلية بعض الجهات التي تنصب نفسها للإفتاء في القضايا الاجتماعية (كقضية المرأة)، والحال أنها تفتقد هذا البعد الثقافي الذي يخول الاجتهاد، وهذا أمر سنعود إليه يوما.

 

ـ 3 ـ

الصُّولْدْ السياسي

 

 


1 ـ نص من هذا الزمن:

نشرت إحدى الأسبوعيات المغربية قبيل سقوط جدار برلين الغربي مقالا لأستاذ جامعي، قالت هيئة التحرير عنه  إنه مستفز، ولا ينسجم مع توجه الجريدة، نشر في إطار حرية الرأي والتعبير. وهي صادقة فيما ذهبت إليه، صدقتها الأحداث. يطلب منا المقال المذكور أن نطلق من قشابة الرجل الذي أمسك بقشابتنا أكثر من ربع قرن حتى تمزقت في يده وصارت أسمالا. مما جاء في ذلك المقال أن "المغاربة كلهم وطنيون". وقد تكرر هذا المعنى أخيرا في الحوار الذي أجرته نفس الصحيفة مشكورةً مع السيد محمود عرشان. وأعتقد أن حسن الظن يقتضي أن نفهم كلام الأستاذ والزعيم أيضا على غير ظاهر لفظه، مستعينين بالسياق: أنا مثلا فهمت أنه يقصدهم: "كفى اعتزازا وافتخارا بالماضي الوطني، أو كفى احتكارا للوطنية انطلاقا من الماضي..."

هذا الفهم تقتضيه اللياقة وحسن الظن. وإلا فإن أخذ الكلام  على ظاهر لفظه، عند العالم والزعيم معا، يؤدي إلى الاعتقاد بأن هناك من لا يفرق بين الوطني والمواطن. والكل يعلم أن الكلاوي والكتاني وثابت وأفقير... ومن سلك طريقهم واهتدى "بهديهم" مغاربةٌ أيضاً، كتبهم الله علينا ابتلاءً لنا، وهم ليسوا وطنيين، بل هم نقيض ذلك، أي خونة. باعوا أنفسهم للشيطان، وفعلوا بالمغاربة ما تفعله الذئاب بالخرفان. وقد تركونا نحن جيل الاستقلال لا نسمع كلمة وطني إلا استحضرنا نقيضها أي كلمة خائن. موقع المواطن من الوطني كموقع المسلم  من المؤمن،  في أحسن الأحوال. قياسا على قوله تعالى: "قالت الأعراب آمن، قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم". ا الوطني هو الذي يضحي بمصالحه الخاصة في سبيل وطنه؛ يضحي بالنفس والنفيس لا يبالي. لأن حب الأوطان من الإيمان، أي مصدره القلب لا اللسان.

 والأستاذ قد لا يجهل أن كلمة مواطن هي الأخرى تقتضي مسئوليات أضعف الإيمان فيها اليوم في البلاد المتحضرة "أداء الضرائب". فلو طبقنا شرط  أداء الضرائب، كمؤشر للوطنية هي الأخرى، فسيلزمنا أن نعيد الإحصاء لكي نعرف كم عدد  المغاربة على الحقيقة، لا على المولد ونشأة. دعك مما دون ذلك، دعك من مزدوجي الولاء علانية وجهارا.

إذن فالأمر لا يتعلق بالجهل بهذه الحقائق، بل يتعلق بالخوف من التاريخ، ذلك أن التاريخ قد يطرد من الجغرافيا!

لست أدري هل مازال الأستاذ المحترم عند موقفه، أم يحس اليوم أنه كان يسند جدارا انهدت أركانه،  فبدا كرجال الإطفاء الذين حضروا  بعد أن أتت النيران على جبل القش. هل تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين؟

 أهديه بالمناسبة  النص التالي. وكنت كتبته  في أوائل التسعينيات (دون أن أنشره) في "مداعبة" السيد زاي المحامي الذي شق غباره، وقد  ضاق هو الآخر بحديث الأحزاب الوطنية  عن التاريخ. صاح حتى بُحَّ صوتْه، وسبح ضد التيار حتى انقطعت أنفاسه،  فلم نعد نسمع له رِكْزاً.

2 ـ نص من ذاك الزمن:

"جاء في الأغاني أن حاجب معاوية بن أبي سفيان اِستأذن للأنصار في الدخول على الخليفة، وكان عمرو بن العاص بالمجلس، فاستثقل عمرو كلمة "أنصار" لوزنها التاريخي، فقال:

"ما هذا اللقب يا أمير المؤمنين؟ اُردُدْ القومَ إلى أنسابهم، فقال له معاوية: أخافُ من ذلك الشُّنْعَة، فقال: هي كلمةٌ تقولُها إن مضت عرَّتهُم ونقَّصَتْهُم، وإلاَّ فهذا الاسمُ راجع إليهم"، فخرج الحاجب مُناديا بجَدِّهم الأعْلى في الجاهلية:

"من كان ها هنا من وَلَد عمرو بن عامر فليدخل".

فدخل ولدُ عمرو بن عامر إلا الأوسُ والخزرجُ.

فنظر معاويةُ إلى عمرو، وقال: "باعَدْتَ جِداً"

ولكي "يُقاربَ" أمرَ الحاجب أن يُنادي باسم الأوس والخزرج، ففعل، فلم يدخل أحد.

فأمره معاوية بعدَها، أن يُنادي باسم الأنصار، "فدخلوا يقدُمُهم النعمان بن بشير، وهو يقول مخاطبا الحاجب (واسمه سعد):

يا سَعْدُ لا تُعدِ الدُّعاءَ، فما لنا

    نَسَبٌ نجِيبُ به سِوى الأنصارِ

نسبٌ تَخَيَّرَهُ الإلَهُ لقومِنا

       أثْقلْ به نَسباً على الكُفَّارِ

إن الذينَ ثَوَوْا بِبدْرٍ مِنْكُمُ

      يومَ القَليبِ هُمُ وقودُ النارِ

"فقال معاوية لعمرو: قد كُنا أغنياءَ عن هذا" (!) (انتهى كلام الأغاني).

وبعدُ، فإنه ليس حديثُ السيد (زاي) ـ الكافر بالتاريخ ـ هو وحده الذي يذكِّر بهذه الحادثة حتى وإن كان السببَ المباشر لاسترجاعها في هذا الظرف وإشراكِ القراءِ في تأملها.

بل الذي يذكر بها هو وجود نسخة حديثة لعمرو بن العاص بين ظهرانينا، لا يمثل الآخرون أكثر من فقاقيع في بركته. عمرو بن العاص مازال حيا يُرزق، ولعلَّهُ زعيم "الحزب السري" الذي ما يزال إخواننا في المعارضة[القديمة طبعا]  يبحثون عنه. شعارُ عمرو "جرِّب ولا حرج". عمرو يصدِّر الإشاعات ويبذُر "بذوره" في كل اتجاه، فمن يدري فقد تجدُ الأرض المناسبة، شيء واحدٌ فاتَ عمرو بن العاص الأموي، وهو يبرمجُ ويخطط لتجريد الأنصار من لقبهم ومنقبتهم، شيء واحد لم يَدُرْ بخَلَده، شيءٌ يبدو أن عمراً الحديثَ قد استفاده من الصِّراع بين الشركات الإشهارية.

لقد بدا لعَمرٍو الحديث أن التقنيات الإشهارية توفِّر مشقةَ منازعة الأنصار اسمهم، كان يكفي عَمْراً القديم، في نظره، أن يُنشئَ باقة من الأحزاب، ولو على اللسان والورق، ويسمي أولَها "أنصارُ الحق" والثاني "الأنصارُ المتناصرون في نصرة مصالحهم"، والثالث :  والنصرة في السراء الضراء، فبذلك "تَتَزَلَّعُ" النونُ والصادُ والراءُ في الفضاء حتى تحتجب كلمةُ "أنصار" عن الأنظار.

 وتطبيقا لذلك أقام عمرُو الحديثُ َ أروقة للـ"صُولْد" (Solde )، بهدفِ تصفيةٍ كاملة ونهائية لكلمات مثل:  "وطني" و"ديمقراطي" و"شعبي"، حتى ظن أن الزبدَ اختلط بما ينفع الناس.

 ولكن ها هو السيد (زاي) برغم كل الجهود التي بذلها عمرو الحديث مفرِّخ الأحزاب، [ذكره الله بخير]  يَترنَّحُ كالسكران وما هو بسكران أمام التاريخ، تاريخِ الوطنية  مقدماً الدليل القاطع على أن وصفة التمييع (التي مارسها مهندس التزييف الذي حركه وأمثاله) ليست وصفة  سحرية كما خيل له، وأن الحيل الإشهارية ليست قادرة على حجب حقيقة السِّلع المغشوشة: قاللُّوا: شمتَّكْ، قاللُّو: عْرَفْتَكْ".

السيد (زاي) لم يجد من حلٍّ سوى الكفر بالتاريخ، ومن حقه أن يفعل ذلك "ما عارفْ آش فْلمزود، غير اللي مضروب به".

الأماني لا حدود لها ... ماذا  لو فقد القاضي والشهود ذاكرتهم للحظة واحدة ستكون اللحظة سعسدة، هذه أمنية كل "الأظناء"؛ سيخرجون من قصر العدالة كما خلقهم الله أبرياء المشكلة هي أن التاريخ لا يصابُ بفقد الذاكرة يا سيدي.

للتاريخ أجرٌ يرجوهُ الوطنيون حقا، وله وِزْرٌ يخشاهُ الملوَّثون.

لم يكتف النعمان بالفخر بمرجع الكلمة التي "تخيرها الإله" لقومه، بل قلبَ الصفحة الثانية للتاريخ ليبرز الوِزْرُ الذي يحمله "الطُّلقاء" الذين قُـتـل أقاربهم وآباؤهم في بدْرٍ وهم يحاولوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم وسيوفهم.

لكأني بالسيد (زاي) يودُّ نسيانَ صحيفته يوم القيامة الكبرى كما نسيت يوم القيامة الصغرى. لن يحدث ذلك، يا سيدي، لأن الله سبحانه، لن يحتاج إلى شيء من خدماتك.

إن التاريخ مثلُ علم النفس، يفضحُ العُقد التي لا يَعيها المرضى، إنه علمُ نفسِ البشرية. "فإذا أصبتم فاستتروا".

انتهى النص القديم، وهو مقدمة  لمساهمتنا في التكريم، فاعتبروا يا أولي الأبصار!

 

 ـ 4 ـ

أَلُو، ثابتْ! من عَلَّمَكْ؟

أو: "ثابت"،

"علامة" غير مسجلة بعدُ !

الكتابة النقدية في الشؤون السياسية والاجتماعية والثقافية علامة تفاؤل وأمل، أتمنى أن يمتد حبل هذا الأمل.

أدركت هذه الحقيقة  بالملموس حين أوقفت "شبه جملة" معتبرا الكتابة عبثا. كان آخر ما كتبته، فيما أذكر(في أفق الأمل أوخر الثمانينات وأوائل التسعينات)، موقعا بالحرفين الأولين من اسمي تقية: م.ع. بعنوان : ماذا تعرف عن المغرب؟ (نشر بالاتحاد الاشتراكي 27/3/93). كان حول اعتقال الأموي من أجل إهانة حكومة نظيفة: قضية منغنطيس. وشاءت الإرادة الإلهية أن تنفجر فضيحة ثابت، في ذلك السياق، كانت بمثابة  "إحراج قدري للحكومة النظيفة في الظاهر والباطن(!). لقد باضت دجاجة تلك الحكومة بيضة ولا بيضة النعامة. مدت  دجاجتنا المحرجة جناحيها بطول الأفق فلم تستطع لها سترا.

مما جاء في تلك المقالة:

"...أما اليوم (أي بعد الفضيحة) فلا شك أن المواطن المغربي الذي يقف مشدوها أمام المحكمة مرددا "وا.. علاشوها!!" [وترجمتها بالعربي الفصيح: يا لها من فضيحة مُشينة‍‍‍‍‍ ‍]، والمواطن الذي يلتقط فُتات الأخبار هنا وهناك، يتساءل مع نفسه، (سواء كان يسكن بالحي المحمدي ـ عين السبع أو بأي حي من أحياء المدينة أو الوطن): كم تحتضن هذه التربة وهذا المناخ السياسي "المُلَوَّث" من حاج ثابت (؟) كم عدد ما أنبتته "دولة القانون" والمشروعية من خفافيش ومصاصي دماء بالبذلات والالقاب الرسمية: ضابط ممتاز! يا سلام!

ماذا نصون حقيقةً من الشرف؟ وما القدر الذي فوته تجار الظلام من معنوياتنا وأجسادنا؟ كم أخت وبنت وأم منطوية على جرح المهانة؟ كم فضيحة منتظرة!

ما أقسى أن يكون "صربُنا" المغتصبون من "حماتنا"!" انتهى.

وفي وذلك الوقت كتبت مقالات عدة أوكلت أمرها للإهمال. منها هذا الدفاع عن حق ثابت في ولي أمر، فمن العدل والإنصاف أن يتقدم مخترعه لتسلم براءة اختراعه. أتمنى أن يجد وزير الداخلية السابق وقتا كافيا الآن للإجابة عن تساؤلاتنا وتساؤلات الحاج مصطفى ثابت، وأن لا يستعمل في حقها التقادم والغفور الرحيم. من حق ثابت أن تعرف رأسه من رجله حتى ينام مطمئنا في قبره، وحتى يحق لنا بدورنا أن نقول: "دفنا ثابت"، دون أن  ترد علينا كلمتنا كما ردت على أستاذنا السي عبد الكريم غلاب الذي دفن الماضي ثم انتبه يوما فوحده يسير معه جنبا لجنب، بل تقدم أمامه وأمامنا جميعا وأوقفنا عن السير.

 لنسرح إذن مع الخيال، "كُلْ وتْبنن، ولا تَصْـرَطْ بلا مضغ": 

"1 ـ بـراءة اختـراع

إذا كان كل صانع مبدع يصر على تسجيل اِختراعه، فلماذا لا نرى أحداً يتقدم بين يدي رجال الدرك في القاعة السابعة ويفتح ذراعيه بشجاعة وعاطفية ليعانق وحش المجازي، وحش البيضاء قائلاً:

ـ مهلا رجال الدرك المحترمين مهلا سيدي النائب العام مهلا أيها القضاة المحترمون مهلا يا سادة، يا محامين، مهلا أيتها الصحافة مهلا أيها الجمهور

ـ ما ذا تصنعون بدميتي؟

          ـ ماذا تصنعون بلعبتي؟

          ـ هذا إبداعي وهذه صنعتي..

يقول المثل الشعبي: "إلى خنزت الجيفة تيهزوها مَّاليها"، وأنا مولاها.

 قال ثابت:

 "فأين مَواليَ وأين حبائبي..؟

أين آكلي خيري ورواد حقائبي؟

 لك البؤس من دهر كثير العجائب؟.."

في المزاد:

 واحدْ، زُوجْ، ثلاثة، لا أحد يزيد؟ لا أحد يريد "ثابت"، لا أحد كان معه في بني ملال، ولا في الرباط، ولا أحد كان يعلم بوجوده في البيضاء... غير عدسة الفيديو... وبكل براءة ننشر الإعلان التالي:

من ضاعت منه آلة بشرية، أو رُوبُو خارق، فليتقدم إلى القاعة قبل فوات الأوان. لم يتقدم أحد، مضى الأجل وسجل الاختراع لصالح مجهول.

هكذا تمت العملية في الغرفة المجاورة (7ب) بعيداً عن أنظار القضاة. والمسألة عادية، بقيت على ذمة التاريخ. وبعد ذلك بدأت "الشمشمة" في البحث عن تاريخ آخر....

2 ـ البحث عن صانع ثابت

الاحتمال الأول القائم في هذه القضية القاضية أيها الإخوة محترفي "الشمشمة"، هي:

ـ لاشك أن هناك عملية تجري في مختبر سري لا علم لنا بموقعه ونشاطه، عملية تستهدف صنع شيء غريب آلة إنسانية أو إنسان آلة ليس مجرد. Robot .

وقد أفلتت التجربة من يدي المختبر..

ليست لدينا معلومات ولكن يظهر من سلوك هذه الآلة البشرية أن الهدف هو صنع إنسان. آلة تمر بين البشر دون أدنى تأثُّرٍ بمعجمهم الأخلاقي والعاطفي والعقلي، آلة مطيعة تحمي المجتمع من أن يكون مجتمعاً، بل حظيرة من النعاج، أو الدجاج: لا يبكي المذبوح منها على المسلوخ والمسلوخ على المطبوخ.

ألا تذكرون قصة ذلك العالم الذي كان يخلط ويخلط حتى طلع له الكائن الجبار الذي لا يقهر آلة في صورة إنسان تمارس الفناء

ما هي الدروس التي تلقاها ثابت إذن ليصير بهذا التكوين الخارق؟

حاولنا الاتصال بثابت في متواه

سؤال ـ ألو، ثابت من علمك؟ (كان السؤال منغماً على البيانو).

جواب ـ نعم، أنا ثابت (بصوت رُوُبو) أريد مني أن أمارس التثبيت فأصبحت تابوتاً أنا مبرمَج   على تخليص المجتمع من عقدة الكرامة حتى يمكن نظم الجميع في "زلاَّغٍ أو زلاكٍ"  واحدأنا ثابت، ماذا تريدون؟!

سؤال ـ هل أنت مسؤول عن أفعالك، يا ثابت؟

جواب ـ نعمْ.. نعمْ مسؤولاً، ولم أعدْ،

كنت مسؤولا وأتقاضى أجراً كبيراً عن خدماتي المتميزة، كانت عين الرضا تكلؤني من كل شبهة ومُلمة. كانت خدماتي متميزة محفوظة: حين كان شرب الدماء يثير الاشمئزاز كنت أشربُ وحدي. فما الذي وقع؟ غريبٌ! لكأنَّ صحنا طائراً نقلني في لمح البصر إلى كوكب بعيد عن مجرتنا ومجرى جريان أمرنا، واليوم يقولون لي: تمارس الإجرام؟ عجباً.. تلك حرفتي، مارستها في شقة ويمارسها غيري في الفلات الواسعة.

طلبوا شبراً جريمةً أعطيتهم ذِراع شناعة، ماذا وقع؟

سؤال ـ ألو.. ثابت ثابت هل تسمع؟ هناك سؤال آخر: ماذا تتذكر عن دروسك الأولى؟

جواب ـ الكثير الكثير وماذا تجدي الدروس؟"

(فقرات من عمل ما زال  يتوسع، للعبرة)

 

ـ 5 ـ

الحَكْـيُ جَمِيلْ

رسالة إلى السيد ناعسْ دْماغُو

 

عل حال المناضلين المغاربة اليوم، وهم يستعيدون محنة نصف قرن من الصراع ( الصراع من أجل مواطنة كريمة طبعا)، لعل حالهم ينشد قول الفنان الشعبي الحسين السلاوي:

 "أراسي،

ما داز عليك وْباقي"؟!

لقد تكثفت استعادة تاريخ المغرب الحديث في السنتين الأخيرتين من خلال نشر مذكرات رجال المقاومة والنضال اليموقراطي. وهكذا قرنا منذ سنة أربعين حلقة من مذكرات قائد المقاومة وجيش التحرير السي محمد الفقيه البصري، في جريدة الاتحاد الاشتراكي، مشفوعة بمجموعة من الشهادات الحية المباشرة لرجال من المقاومة. وقد أثارت هذه المذكرات وما رافقها من حوارات صحفية متلفزة ومكتوبة اهتمام أطراف متعددة، وكانت بحق، كما أراد لها صاحبه، حجرا في بركة راكدة.

 وفي إيقاع من الحضور والمشاركة مماثل تناجينا  هذه الأيام مذكرات المقاوم/المناضل السي عبد الله العياشي في خط مواز وقد وصلت لحد الآن (17/12/99) 19 حلقة، في نفس الصحيفة.

وفي نفس السياق يتحدث أفراد من قدماء الشبيبة الإسلامية، من هذا المنبر أو ذاك، عن بعض ألغاز اغتيال القائد الاتحادي عمر بن جلون نافضين أيديهم من أية مسؤولية...بل منهم من "أدمى الحدث قلبه".

بجانب هذه الشهادات الحية، وهي التي نركز عليها هنا، هناك إعادة قراءة الأحداث الكبرى المؤثرة في مسار المغرب الحديث، هناك إعادة قراءة الملف الغامض لاغتيال المهدي بن بركة، وهناك إعادة قراء سيرة السفاح أفقير بعد "دخول أفراد اسرته على الخط".

صحيح أنها شهادات مختلفة تسير في خطوط متوازية. الكل يتحدث وحده وظهره للآخر وكأنه غائب، أو غير موجود. ليس هذا أمرا خطيرا الآن، فالمهم أن نتكلم. وسيكون من مهام الصحفيين والمؤرخين  طرح الأسئلة الضرورية لتنسيق الوقائع وتفسيرها.

الذي يهمنا نحن هو دلالات هذا البَوْح. لقد بدأت هذه الحوارات تكشف بعض الزوايا المظلمة، وبدأ الناس يتلفظون ببعض الأسماء لأول مرة. بدأنا نسمع، مثلا، اسم "شيخ العرب"، وكأن الحظر إنما رفع عن هذا الاسم منذ شهور فحسب. ولو مات المرحوم أحمد جوهر قبل الآن بشهور فلربما ذهب دون أن يذكر أحد اسمه كما ذهب آخرون مكفنين بصمت غير مفهوم تاريخيا. عندما كنت أقرأ مذكرات السي محمد الفقيه البصري مثلا  كنت أترقب، حلقة بعد حلقة، أن ألتقي باسم شيخ العرب أو الأحداث المتصلة به، ولكني لم اظفر بشء، أتمنى أن يظهر في النسخة الكاملة.

الذي يهم الآن هو دلالة هذا الحديث الصريح الحي عن هذه المرحلة. الحديث الذي يُطبِّعها  ويُيَسِّر الخروج من حلقتها التي يتمنى البعض أن تظل مفرغة؛ لا أول لها ولا آخر.

يبدو أننا صرنا، متحدثين ومستمعين عل السواء، في حال  المريض المتعاون القابل للعلاج. فالعلاج النفسي  كالعلاج الجسدي من بعض الوجوه يقتضي هو الآخر تنظيف الجرح، وتنظيفهُ لا يتم إلا بفتحه، وتنقيته من الأجزاء الميتة قبل وضع الضمادات عليه.

الحديث عن معاناة الماضي بكل آلامه كما قدمها السيدان محمد الفقيه البصري وعبد الله العياشي وغيرهما من المناضلين ينطوي على ارتياح، يحتوي على اطمئنان إلى  المخاطب، مهما يكن هناك من مآخذ. استرجاع الماضي ليس مجرد نبش لتقليب المواجع كما اعتقد السيد ناعس دماغو.

هناك دلالة أخرى لنشر مذكرات الزعماء، والفاعلين السياسيين عامة، على نطاق واسع، تتجلى في الخروج من الترويج الداخلي من أجل فئة خاصة من الأتباع والحواريين الذين يتقوقعون على أنفسهم فَيتَأمْلَكون ويشيطنون غيرهم وتزدادون انفصالا عنه انطلاقا من معلومات واتهامات ومرجعيات فئوية لا يعرفها إلا من يحظى بالثقة، أو يوهم بأنه كذلك. لقد دخلنا فعلا في كتابة تاريخ سياسي موحد بعد أن لعب الروايات الفئوية دورا خطيرا في شرذمة الخريطة الشياسية لليسار المغربي في نهاية الستينات وبداية السبعينات.

 لِنتمادَ إذن في البوح من موقع الشهادة في اتصال وانفصال؛ لا ينبغي أن ننسى الماضي ولا ينبغي  أن نُعتقَل فيه. ولتحقيق هذا التوازن أتمنى أن يبقى الحوار في حدود الصحافة المسؤولة سياسيا وفكريا، وألا يصبح تجارة رخيصة.

 

ـ 6 ـ

كلام خارج دائرسة الحوار

تعليق على "حوار" برلماني حول الخطة

 

 

1 ـ فقرة من ذلك الزمان:

 بعد معاينات ميدانية، وأنا مرشح عن الاتحاد الاشتراكي، في دائرة انتخابية بفاس غابت عنها السلطة وحضرت بركتُها، كتبتُ يوم 16/10/1992 تعليقا تحت عنوان: "خوصصة العنف" باعتبار أن الإدارة بزيها الرسمي قد اقتنعت بضرورة رفع الحجر عن مخلوقاتها وأيتامها بعد تـزويدهم بكل الإمكانيات من التقطيع إلى اللوائح والبطائق.. ومما جاء في تأطير ذلك التعليق:

"لكل لعبة هيكل أوشكل لا يمكن تبينها والتعرفُ عليها بدونه. في كرة القدم مثلا هناك مَلعبٌ ولاعبون ومرمى ومجموعة قوانين منظمة؛ فلا يصحُّ من حيثُ الشكل مثلا أن يضع أحد حراس المرمى سياجاً من الأسلاك أمام مرماه، كما لا يقبل أن يأخذ أحد الفريقين الكرةََ في يده ويدخل بها المرمى ومثل ذلك في سِـباق المسافات القصير الذي يُفترض السير بين  خطينٍّ يؤدي الخروج عنهما إلى إقصاء المسابق.

أما الأخلاقيات فليست في ظاهر اللعبة وشكلها، ولذلك قد تنتهي اللعبة أمام الجمهور على الوجه المطلوب، ثم يُسحب اللقب من الفائز، بعد ذلك، لكونه  سَلَكَ سُلوكاً لا أخلاقياً ينطوي على غش يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، أويسطو على حقوق الآخرين. فالحالة الأولى مثل استعمال المنشطات المحظورة، والحالة الثانية مثل اللعب بدون رُخصة، أو اللعب في حال الخضوع لعقاب سابق.

ومن العبث بأخلاقيات اللعبة أن يعمدَ الحكم إلى استفزاز لاعبي أحد الفريقين لإحباطهم، مع غض الطرف عن هفوات الطرف الآخر وتجاوزاته، (كما كانت الداخلية تعمل مع مخلوقاتها المدللة)".

2 ـ فقرة من هذا الزمن

استرجعت هذه المقايسة بين اللعبة الرياضية والممارسة السياسية وأنا استمع إلى "محاورة" السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ونائبين من فريق التنمية والعدالة(طرف أول) لنائبين  من الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية (طرف ثانٍ).

لقد قفز الطرف الأول من أرض حُجرة الحوار والتصق بالسقف الذي يغطي الجميع، فاستولى عليه وأحتكره فيفهمه و وَهمه، وبذلك سد باب الحوار، ولم تعد هناك جدوى من مخاطبته حتى يعود إلى ألأرض.

فالنائب المحترم، كما يقال، أخرج محاوريه من دائرة الإسلام، لأنهم في نظره من بقايا الشيوعيين الماركسيين، أو من دائرة الإيمان، على الأٌل،  فهم من المسلمين العصاة الذين لا يقيمون عماد الدين.

وإذا وضعنا هذا الحكم في إطار حديث الطرف الأول عن حق أئمة المساجد في "تغيير المنكر"، فمن حقنا أن نسأل هؤلاء السادة، وهم بهذه القناعة: كيف قبلوا الجلوس مع الكفار والعصاة؟ لماذا قبلوا أضعف الإيمان؟ ألم يكن جديرا بهم وهم بهذه القناعات أن يلتحقوا بأبي قتادة أو أبي حمزة أو، على الأقل، بالسيد الفزازي وغير هؤلاء من مكفري البرلمانات والأنظمة والحكام؟ هل كانوا بحاجة إلى كل هذا الاستفزاز ليميطوا طرفا من القناع؟ أم إن الأمر يتعلق بعدة لغات حسب الأحوال؟ ما الفرق بين هذا الموقف وبين موقف القعدة من الخوارج؟ والأسئلة كثيرة بعضُها عميق يطرحه أهل الدار أنفُسهم.

بهذه الهجمة الخاطفة المرتبة استولى الطرف الأول ـ حسب  خياله ووهمه ـ على ثلث شعارنا الوطني: الله الوطن الملك. وكان السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية قد غزا وحده، وأطبق قبضته ـ كالحالم ـ على الثلث الآخر، واضعا الرضا في جيبه يهش عليه بعصاه ملوحا بالفتنة لمن يفهم إشارته! أتُراه لا يرى أن عمل الملك والحكومة والشعب اليوم مشمول بالرضا، أم تُراه لا يتذكر ما فعله مُدَّعُو احتكار الرضا بالمَلك والشعب؟ ونحن ننزه المناسبة عن تعداد أسمائهم.

من المفارقات أن يحرص وزير الداخلية أشد الحرص ـ في حواره مع الصحافة ـ على تأكيد أنه عضو من الحكومة؛ وزير ككل الوزراء ـ مع صعوبة هذا الرهان في ظل التركة الموروثة من الرجال والملفات ـ في حين يصر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية على إثارة حساسية يعمل الجميع على تجاوزها! فهل معنى ذلك أن لا سبيل إلى الخروج من سيكولوجية زمان، ما دام المقعد يقول: "هو أنا وانا هو"، لا بد إذن من مقعد يقول: "هو هو وأنا أنا".

إذن ماذا بقي لأصحاب الخطة بعد "الاستيلاء" على ثلثي الشعار. لسان الحاسمين يقول: بقي لهم أن يتكوروا في ارضية الغرفة، هذا هو "الوطن" الذي سلخوا جلودهم ليعيشوا فيه أحرارا. "بيت"؟ نعم بيت، ولكن بدون جدران ولا سقف. ولْيحمدوا الله على غياب سي دريس فلو كان حاضراً متضثامنا لباتوا في الشارع وأصبحوا في البرازيل، أو وراءها بقليل.

أما بعد، فإن السياسة هي لعبة الممكن، ومن قبلها لزمه أن يتخاطب بلغتها، ومن نبذها وتبنى لغة الحسم ثورةً أو جهاداً تظليما أوتكفيرا فالأجدرُ به أن ينسجم مع قناعاته ويغادر قاعة البرلمان، فلن يجني منها ـ وهو بهذه القناعة المكفرة ـ غير الحوالة، وما أظنها مُجزيةً لمخلص للشعار كله. لقد جرب المغلربة لغة الحسم، وحصيلتها هي التي يحكى اليوم على صفحات الجرائد، وشاشات الفضائيات، وشبكة الأنتيرنيت. والتوافق الذي وصل إليه الملك والقوى الديموقراطية هو تدريب مرحلي للخروح من لغة المطلق واحتكار المقدسات إلى لغة الممكن المتطور درجات نحو أقصى ما يمكن من العدل والحرية والخير العميم. وفي اليمين واليسار، في أقصاهما وأدناهما من لم يستسغ هذه الوصفة مبدئيا أو إجرائيا. ولكن من الألطاف الإلهية أن الأغلبية التي حنكتها التجارب قبلت الدخول في اللعبة بشكلياتها واخلاقياتها، ومن استعمل لغة المطلق والتكفير ولوح بالفتنة فقد أخرج نفسه من اللعبة، فليحذر الذين يخالفون هذه الإرادة، ويلوحون بالفتنة أن تصيبهم وحدهم؛ المغرب سائر في طريق الديموقراطية أحب من احب وكره من كره.

يبقى في الأخير سؤال يقتضي نقاشا فقهيا أصوليا، وهو: هل أئمة المساجد، مع كامل الاحترام للصفة (ولا أهتم بمن يعتبرها مجرد مهنة و وظيفة إذا وجد) مؤهلون جميعا للحسم في مسألة خلافية تضاربت فيها آراء الراسخين في العلم، كما تضاربت يوما في قضية الرق؟ وإذا كانوا مجرد مبلغين فرأي من يببلغون، أي هل هناك تعليماات من تحتها كما قيل؟

نشر بجريدة الاتحا الاشتراكي/(صورة الصفحة)

بتاريخ 2/2/2000

 

 

ـ 7 ـ

خوارج القرن العشرين

 

من الأوليات التي قرأناها يوم كان للفلسفة حظ وحضور فعلي في التعليم الثانوي أن التاريخ لا يعيد نفسه. وأن الاستحمام من ماء النهر مرتين غير ممكن.

غير أن هذه القاعدة لا تكادُ تصمد للفحص والاختبار حين نتأمل التاريخ السياسي والفكري العربي.

ألسنا اليوم أمام نفس التالوت الذي انشطر إليه العرب والمسلمون خلال القرن الأول الهجري: خوارج يقتلون، ومرجئة ينتظرون، ومعتزلة يبحثون عن منزلة بين القتل والانتظار.

حين ننظر إلى هذه الأطراف الثلاثة باعتبار كل منها مركزاً يدور حوله الكثير من الأفلاك المختلفة قرباً وبُعداً من النواة، لا نكاد نجد فرقاً بين الأمس واليوم.

يستغرب جمهورُ المسلمين اليوم أن يروا البعضَ من عامة الناس يهرعون إلى حمل السيوف لإقامة الحدود على الناس، أو يصدرون  فتاوى في حقهم بالكفر (وقد ذهب شهيد الطبقة العاملة في المغرب عمر بنجلون ضحية هذه النزعة الدموية) والواقع أن هذا ليس إلا أقل ما يقُصه علينا التاريخ السياسي للمسلمين ضدا على روح الدين وجوهره، هل هناك مجال للاتعاظ؟

من يرجعْ إلى الملل والنحل وتاريخ ابن عساكر يجدْ أن أقوى فِرق الخوارج (أقصد الأزارقة) تُكفِّر سائر المسلمين، بل تُكفِّرُ حتى الفرق الخارجية التي تختلفف معها في بعض التفاصيل!

الأزارقة يقاطعون المسلمين فلا يناكحونهم ولا يَأكلون ذبائحهم، ولا يوارثونهم، ولا يجيبون مسلماً للصلاة إن دعاهم إليها. ودار المسلمين دار كفر في نظرهم، يجب هجرها

وكان نافع بن الأزرق رئيس هذه الفرقة يحلُّ لأصحابه قتل أطفال المسلمين ونساءَهم، ويحلُّ الغدر بمن يخالفهم.

وهم  ينظرون في ذلك إلى القرآن والسنة نظراً سطحياً فيجعلون هجرة الرسول من المدينة قياسا وحجة لوجوب الهجرة من كل ديار الكفر(التي هي ديار المسلمين المخالفين لهم)، ويجعلون إخراجَ إبليس من الجنة، لخطيئة واحدة، مبررا لتكفير مرتكب الكبيرة..الخ

وفي حين يُسقطون حد الرجم عن الزاني لانعدام النص القرآني القاطع بذلك، يحكمون  بقطع يد السارق في كل الأحوال.

وتتدرج الفرق الأخرى (النجدات الصفرية الإباضية) نزولاً في تشددها حتى يقتربَ بعضها من أهل السنة.

لقد كان الخوارج أصحابَ ممارسة، يعدون العملَ شطراً للإيمان، ولذلك يأخذ النهي عن المنكر عندهم بعداً آخر، ويتحول إلى مسؤولية فردية. ولم يكن هذا التقدير يتلاءم مع حال مجتمع معقد يقتضي الاجتهاد لدَرْأَ الضرر قبل جلب المنفعة، وتقديم الأوجه التي تصون الوحدة.. ولم يستطع الخوارج أن ينحتوا لهم مجرى فكرياً على شاكلة أهل السنة والمعتزلة مع أن أثرهم كقوة ضاغطة كان كبيراً جداً في تكييف مواقف خصومهم، كانوا أشبهَ بقوة طبيعية يبقى أثرها في الجهات الأخرى التي تعترض طريقها. ولذلك لم تستطع "الطبعة القديمة" من الخوارج أن تبني دولة بحسب اختيارها وتصورها.

ومن المعلوم أنْ ليس هناك علاقة بين "بقايا" خوارج الأمس وخوارج اليوم، فخوارج الأمس تحجروا وأصبحوا يعيشون في طقوس خاصة بهم في حكم الأقليات خارج التاريخ (في جنوب الجزائر مثلا)، وخوارج اليوم يعيدون نس الأبجدية المدمرة لهم ولغيرهم.

لقد بدأ الخوارج من النهي عن المنكر والدعوة إلى دولة إسلامية على نمط دولة الرسول، ثم تحولوا إلى مجموعة مغلقة تقيسُ الأمر بمقياس الذات. وشيئا فشيئا صار الإسلام هو الانتماء إلى الخوارج، ومن الطبيعي في مثل هذه الأحوال أن يصير النقاش عقيماً، لأنه يمس الذات في إطار الصواب والخطأ.

لاشك أن هذا الموقف الخارجي المتشدد كان يجد ما يُغذيه من تقاعس المرجئة ومن يدور في فلك الإرجاء عامة أو يستفيد منه (بنو أمية).

 

ـ 7 ـ

تعليق على حديث الأستاذ عبد الله الطيب

شرودُ المحدِّث عن "أّحْسَنِ اَلْحَدِيثْ"

 

 

1 ـ المحدث

المحدث هو العلامة الأستاذ عبد الله الطيب المجدوب أستاذ الأدب العربي القديم والنقد، صاحب كتاب: المرشد. عملَ بالجامعة المغربية أستاذاً بكلية الآداب بفاس، ولقي القبول والاحترام لموسوعيته الأدبية ودماثة خلقه، فهو من حفاظ الشعر، وواحد من أحسن المتذوقين للأدب القديم، القديم وحده. اطلع في شبابه البعيد على بعض أدبيات النقد الانجليزي المعادية للتنظير. وتوقف الزمن. شُحن بالحس القومي قبل أن تختلط القومية بالحداثة فرجع بقوميته يُصفيها من الحداثة فلم يبق له منها إلا ما أُنتج في العصر الجاهلي وصدر الإسلام قبل التدوين، وبقي في عالم المخطوطات.

يرى أن العرب قالوا كل شيء قبل الاتصال بالأمم الأخرى. وما قالوه مبتوت في أخبارهم وأشعارهم لا يحتاج إلى منظومة مُصطلحية مضبوطة أو نظرية علمية مكتوبة. حين لم يعُد يفهم ما يقال في مجال الأدب قلب الوجهة نحو جمهور أميل إلى الاستماع يهمه السند، ولا يطاب من العقل أي مدد.

 حين أصدرنا مجلة دراسات أدبية ولسانية في منتصف الثمانينات عقدنا ندوة حول علاقة النقد الأدبي باللسانيات شارك فيها مجموعة من الزملاء الباحثين الشباب من شعبتي اللغة العربية والفرنسية ولتحقيق تفاعل بين القديم والحديث أجرينا حواراً مُطولاً مع الأستاذ عبد الله الطيب حول النقد الأدبي عند العرب بسط فيه وجهة نظره التي أشرنا إليها، ونشرنا مواد الندوتين في العددين الأول والثاني من المجلة المذكورة دون نقصان.

وقد عرف الأستاذ عبد الله الطيب محاضراً بالاستطراد الذي يجعل الذاكرة تلغي المقام، وتذهب إلى ما ترسب فيها من مشاحنات مع الحداثة والحداثيين. وهذا ما وقع له في الحديث الرمضاني الذي ألقاه أمام جلالة الملك محمد السادس وعلماء المسلمين في الرباط هذه السنة 1999.

2 ـ موضوع الحديث

تناول حديث الأستاذ قوله نعالى: "الله نزَّل أحسن الحديث كتاب متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله".

عرض المحدث لبعض الجوانب لغوية كخروج صيغة التفضيل عن معنى المفاضلة بين كلام الله وكلام البشر، ثم انزاح عن الموضوع إلى قضيتين تشغلان ذاكرة الرجل ولا يتسع لهما المقام الرمضاني: تحدث عن سبق القدماء الجاهليين إلى المفاهيم النقدية، كما تحدث عن قضية الصَّرْفَة. وهما تنطويان معاً على عداء صريح وضمني للحداثة والعقلانية وتنطويان على تناقضات وأوهام.

1 ـ القضية الأولى: سبق الجاهليين في مجال النقد الأدبي.

2 ـ القضية الثاني تخطئ الباحثين عن الإعجاز في النظم.

لبيان حسن كلام الله، استشهد المحدِّث بالمتلقي المعاصر للوحي فحكى الخبر المشهور عن اخالاف  الوليد  بن المغيرة مع قومه من أهل مكة حول سر تأثير القرآن الكريم. كما أورد خبر محاولة بعض المتنبئين الذين حاولوا تقليد القرآن الكريم فأعجزهم ذلك.

 هذا شق المسألة ونراه من وجهتنا تقريراً لواقع، وقد عرضنا لتأويل مغزاه في أكثر مناسبة سابقة، آخرها في كتابنا البلاغة العربية (ص 50 وحاشيتها2). ولكن الشيء غير المفهوم هو النتيجة التي رتبت عليه، ورفض ما يناظره ويدخل في حكمه.

3 ـ النتيجة الغريبة

استنتج من حادثة الوليد بن المغيرة وقومه أن العرب كانوا على دراية بنقد الكلام منذ الجاهلية وأن المحدثين لم يأتوا بجديد، وقولهم بأن النقد كان ساذجاً قبل عصر التأليف يدل على سذاجتهم.  وهنا، وفي هذه اللحظة،  انزاح المتحدث من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم محينا الحديث، أي ناقلا له من الخصوم القدماء إلى الخصوم المتوهمين في معركة الأصالة والحداثة الملتهبة في المشرق المتجاوزة في المغرب، لحسن الحظ، فقال، في ذهول عن المقام:  "لحن السذج".!!

والأستاذ لا يفرق هنا كعادته بين ملاحظة الوقائع واستنتاج بعض المعاني والعبر من تلك الملاحظة وهو الذي سماه البيانيون القدماء: "الاعتبار"، وبين العِلم الذي يقصده المؤرخون لنقد الأدب حين يقولون: إن النقد كان ساذجاً. العلم لا يقف عند الملاحظة بل يعدوها إلى وضع فرضيات والتدليل عليها، إلى آخر ما هو معلوم عند أهله. والنقد باعتباره علماً يقتضي عزل الموضوع و بلورة سؤال. وقد قدم قدامة ابن جعفر هذه الإشكالية  في سطور في مقدمة نقد الشعر، بعد أن حام حولها علماء آخرون، ولم يُبلور السؤال الجوهري أو الخاص إلا مع عبد القاهر الجرجاني.

فمع عزل الموضوع وبلورة السؤال وعبر عمليات التعريف تتنور المنظومة المصطلحية التي لا وجود لعلم في غيابها، لأن العلم تواصل بلغة خاصة دقيقة، وقبل وجود هذه اللغة الخاصة تكون الملاحظة الساذجة. إن القول بأن القدماء سبقوا المحدثين إلى كل شيء لمجرد أنهم عبروا عن انفعالهم بالإشارة (التصفيق مثلا) أو العبارة الانفعالية ("الله..!" مثلا) أو العبارة المجازية (جميل والله.. ساحر) يدل على عدم التفريق بين العلم وما قبل العلم وهو التفاعل العفوي مع الكون وفيه يشترك الإنسان وغير الإنسان ولذلك قيل إنه ساذج، أي سجية بدون تعمل، والحال أن العلم تأمل وتعمل.

لم يكن من المناسب علماً القول بأن الجاهليين سبقوا إلى كل شيء في نقد الشعر، ولم يكن مناسباً مَقاماً التنويه بالجاهليين.

نقل الباحث نقاشاً زائفاً في أصله حول أصالة النقد الأدبي عند العرب وتأثره بالثقافة اليونانية، وقد ترجم هذا الرأي بالنسبة للقائلين به بوجهين أحدُهما عكف على الشعر العربي الجاهلي والإسلامي على لسان العرب يلتقط الألفاظ في غير نسق، ويكدسها في غير نظام، متوهماً أنه يقوم بعمل علمي وهذا الاتجاه كثيراً ما يعادي النظرية، ويعادي ما بعد الجاهلية، وصدر الإسلام، أو لا يهتم إلا باعتباره امتداداً. وهذه هي المدرسة التي ساهم الأستاذ عبد الله الطيب في إرسائها في فاس وما جاورها، ونحن حين نقرأ ما ينجز من رسائل جامعية بالعشرات في هذا الإطار نتساءل ما جدوى هذا العمل العشوائي المعادي للعلم والأعراب بالباب.

2 ـ خطأ الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني في مسعاهما إلى البحث عن إعجاز القرآن في نظمه. وكانت الأمانة تقتضي التنبيه إلى أن هؤلاء العلماء وغيرهم من علماء المسلمين لم يركزوا جهدهم على النظم إلا بعد استقصاء الأوجه الأخرى الممكنة كما فعل الجرجاني في الرسالة الشافية وهذا لا يكلف أكثر من جملة. وكانت فسحة العمر ـ أطال الله فيه ـ قد أتاحت للأستاذ أن يمدنا بعمل علمي موثق غير شفوي مبني بنفس القوة التي بني بها عمل عبد القاهر، ولكن السهولة قاتلة.

4 ـ نسب القول بالصرفة للمعتزلة، وهو يعلم أن هذا القول هو قول مجموعة من البلاغيين معتزلة وغير معتزلة. وكون أول قائل به معتزليا (واصل بن عطاء) لا يبرر نسبته للمعتزلة على الإطلاق. بدليل أن أكبر بلاغي اعتزالي، كما ذكر هو نفسه أي الجاحظ رفض هذا القول، وأكمل نموذج بلاغي بنى على نظرية الصرفة ليس من إنتاج واحد من المعتزلة بل هو ذلك الذي بناه ابن سنان الخفاجي والراجح أنه شيعي.

فالأمر ليس بالبساطة التي تسمح بإسناده الصرفة إلى المعتزلة على الإطلاق ولكن الأستاذ كان كغيره يهدف إلى الإدانة.

أما بعد،

بعد كتابة الفقرات السابقة تساءلت في نفسي: ما الغرض من استدعاء أناس استقالت عقولهم، وتوقف نظرهم عن المستقبل فلم أجد غير استنفار خصوم الحداثة من كل صَوْب وحدَب. وقلت في نفسي هل يتناسب هذا المسلك مع العهد الجديد؟ وتكاثرت الأسئلة فصرفت النظر عن الموضوع، حتى قرأت الحوار الذي الشامل الذي أجرته الصحيفة (عدد 68) مع السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية. إذ فوجئت بقول سيادته: "في الواقع هذه الدروس تعالج القضايا المعاصرة، ولكن بأسلوبها الخاص، الأسلوب الذي يتلاءم حتى مع الظرف ومع المكان الذي تلقى فيه الدروس". وقوله في أسس اختيار العلماء: "على أساسين: الأساس العلمي..العالم الذي يرشح للدروس الحسنية لا بد أن يكون عالما متمكنا. ثم أساس وزن الشخص في ميدان الدعوة الإسلامية".

فبعد الذي قدمناه، ونحن مستعدون لتوسيع النقاش حوله، نسأل السيد الوزير عن القيمة العلمية والدعوية لدرس الأستاذ عبد الله الطيب؟

وأخيرا لقد تجرأت على الخوض في الموضوع لمعرففةٍ بما فيه من جهة، وبما عند المحدث فيه من رأي ومسبقات مفسدة للنظر من جهة ثانية. أتمنى ألا يكون حديثُ المتحدثين في المسائل الدينية ـ التي لا أجرؤ على الخوض ففيها ـ مثلَ حديث أستاذنا عبد الله الطيب في هذه المسائل البلاغية والنقدية، وإلا فاللهم الطف بعقول من نترجم لهم مثل هذا الحديث من ذوي النوايا الحسنة في شرق أوروبا وجنوب آسيا، اللهم اطف بنا.

وللسيد وزير الأوقاف أن يعتذر بمثل اعتذار ابن هشام، صاحب السيرة، من حمل كل غثاء من الأشعار: "وكان يعتذر منها، ويقول: لا علم لي بالشعر، أُتِينا به فأحمله". قال ابن سلام(في الطبقات8): "ولم يكن ذلك له عذرا". 

 

 

 

 

ـ 8 ـ

 

 

تعليق على حديث الأستاذ عبد الله الطيب

شرودُ المحدِّث

 عن "أّحْسَنِ اَلْحَدِيثْ"

 

1 ـ المحدِّث  والحديث

أ ـ المحدث هو الأستاذ عبد الله الطيب أستاذ الأدب العربي القديم والنقد، من السودان. عملَ بالجامعة المغربية أستاذاً بكلية الآداب بفاس. واحد من حفاظ الشعر، ومن أحسن المتذوقين للأدب القديم. اطلع في شبابه البعيد على بعض أدبيات النقد الانجليزي المعادية للتنظير. شُحن بالحس القومي قبل أن تختلط القومية بالحداثة. فاحتفظ من العروبة بما قبل القرن الثاني الهجري.

وقد عرف الأستاذ عبد الله الطيب محاضراً بالاستطراد الذي يجعل الذاكرة تلغي المقام، وتذهب إلى ما ترسب فيها من مشاحنات مع الحداثة والحداثيين. وهذا ما وقع له في الحديث الرمضاني الذي ألقاه أمام جلالة الملك محمد السادس وعلماء المسلمين في الرباط هذه السنة 1999.

ب ـ تناول حديث الأستاذ قوله تعالى: "الله نزَّل أحسن الحديث كتاب متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله".

2 ـ الشرود

أ ـ ما كاد المحدث يعرض لبعض الجوانب اللغوية من الحديث كخروج صيغة التفضيل ((أحسن)) عن معنى المفاضلة حتى انزاح عن الموضوع إلى قضيتين تشغلان ذاكرته مما لا يتسع له المقام الرمضاني:

ـ القضية الأولى: سبق الجاهليين في مجال النقد الأدبي.

ـ القضية الثانية تخطيئ الباحثين عن الإعجاز في النظم.

لبيان حسن كلام الله، استشهد المحدِّث بالمتلقي المعاصر للوحي فحكى الخبر المشهور عن اختلاف  الوليد  بن المغيرة مع قومه من أهل مكة حولَ سر تأثير القرآن الكريم.

استنتج من حادثة الوليد بن المغيرة وقومه أن العرب كانواا على دراية بنقد الكلام منذ الجاهلية، وأن المحْدثين لم يأتوا بجديد. أما قول مؤرخي النقد الأدبي بأن النقد كان ساذجاً قبل عصر التأليف فيدل على سذاجة القائلين.  وهنا، انتقل من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم مُحَيِّناً الخطاب، أي ناقلا له من الخصوم القدماء إلى الخصوم الحاليين في معركة الأصالة والحداثة الملتهبة في المشرق المتجاوزة في المغرب، فقال، في ذهول عن المقام الرمضاني:  "نحن السذج".!!

والأستاذ لا يفرق هنا كعادته بين ملاحظة الوقائع واستنتاج بعض المعاني والعبر من تلك الملاحظة، وبين العِلم الذي يقصده مؤرخو النقد الأدبي حين يقولون: إن النقد كان ساذجاً. العلم لا يقف عند الملاحظة بل يعدوها إلى وضع فرضيات والتدليل عليها، إلى آخر ما هو معلوم عند أهله. والنقد باعتباره علماً يقتضي عزل الموضوع و بلورة سؤال. وقد تم هذا فعلا بوعي عميق مع قدامة بن جعفر وعبد القاهر الجرجاني على وجه الخصوص خلال القرن الرابع والخامس.

فمع عزل الموضوع وبلورة السؤال تتبلور المنظومة المصطلحية التي لا وجود لعلم في غيابها، لأن العلم تواصل بلغة خاصة دقيقة، وقبل وجود هذه اللغة الخاصة تكون الملاحظة الأزلية المنعوتة بالسذاجة. إن القول بأن القدماء سبقوا المحدثين إلى كل شيء لمجرد أنهم عبروا عن انفعالهم بالإشارة (التصفيق مثلا) أو العبارة الانفعالية ("الله..!" مثلا) أو العبارة المجازية (جميل والله.. ساحر) يدل على عدم التفريق بين العلم وما قبل العلم وهو التفاعل العفوي مع الكون.

وهكذا لم يكن من المناسب علماً القول بأن الجاهليين سبقوا إلى كل شيء في نقد الشعر، ولم يكن مناسباً مَقاماً التنويه بالجاهليين في مقام إسلامي انجرافا مع حس قومي عنصري زائف، فالإسلام جاء لتجاوز سلبيات الجاهلية.

لقد اجتر الباحث نقاشاً زائفاً في أصله حول أصالة النقد الأدبي عند العرب أوتأثره بالثقافة اليونانية. وقد ترجم هذا الرأي بالنسبة للقائلين به باتجاهين: أحدُهما عكف على الشعر العربي الجاهلي والإسلامي، وعلى لسان العرب يلتقط الألفاظ في غير نسق، ويكدسها في غير نظام، متوهماً أنه يقوم بعمل علمي وهذا الاتجاه كثيراً ما يعادي النظرية، ويعادي ما بعد الجاهلية، وصدر الإسلام، أو لا يهتم به إلا باعتباره امتداداً. وهذه هي المدرسة التي ساهم الأستاذ عبد الله الطيب في إرسائها في فاس وما جاورها. ونحن حين نقرأ ما ينجز من أطروحات جامعية بالعشرات في هذا الإطار نتساءل ما جدوى هذا العمل العشوائي المعادي للعلم، المخرب للعقول. والأعراب بالباب. هذه هي مدرسة عبد الله الطيب وذاك ما يشفع بحضوره. وقد يدهن موقعه بقصيدة عمودية! هذا كل ما في الأمر.

وقد تلت هذا الانزلاق وسارت في ركابه مجموعة من التعميمات المغالطة مما لا تتسع هذه الزاوية لتفصيل القول فيه. من ذلك تخطيئ الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني في مسعاهما إلى البحث عن إعجاز القرآن في نظمه. وكانت الأمانة تقتضي التنبيه إلى أن هؤلاء العلماء وغيرهم من علماء المسلمين لم يركزوا جهدهم على النظم إلا بعد استقصاء الأوجه الأخرى الممكنة. أما البديل الذي اقترحه للتدليل على إعجاز الآية ففيه مجازفة تدل على سذاجة حقا.

ومن ذلك نسبة الصَّرْفة إلى المعتزلة على الإطلاق، وهو يعلم أن هذا القول هو قول مجموعة من البلاغيين معتزلة وغير معتزلة. وكون أول قائل به معتزليا (واصل بن عطاء) لا يبرر نسبته للمعتزلة على التعميم والإطلاق. بدليل أن أكبر بلاغي اعتزالي، كما ذكر هو نفسه، أي الجاحظ لا يقول بها، وأكمل نموذج بلاغي بُنِى على نظرية الصرفة ليس من إنتاج واحد من المعتزلة، بل هو ذلك الذي بناه ابن سنان الخفاجي.

عود على بدء

تساءت وأنا استمع إلى الكلام المجازف الذي أدلى به المحدث  عن الغرض من استدعاء أناس استقالت عقولهم، وتوقف نظرهم عن المستقبل، فلم أجد لذلك سببا معقولا غير  استنفار خصوم العقل من كل صَوْب وحدَب. وقلت في نفسي هل يتناسب هذا المسلك مع العهد الجديد؟ وبقيت هذه الأشئلة موقوفة إلى أن قرأت قولا للسيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ينسب هذه الدروس الرمضانية للحداثة والنزاهة قائلا: "في الواقع هذه الدروس تعالج القضايا المعاصرة، ولكن بأسلوبها الخاص، الأسلوب الذي يتلاءم حتى مع الظرف ومع المكان الذي تلقى فيه الدروس". وقوله في أسس اختيار العلماء: "على أساسين: الأساس العلمي..العالم الذي يرشح للدروس الحسنية لا بد أن يكون عالما متمكنا. ثم أساس وزن الشخص في ميدان الدعوة الإسلامية" (الصحيفة68).

 وقتَها قُلت: من النصيحة أن أنبه سيادته إلى أحد "الاستثناء"! التي تشكل قاعدة قائمة الذات. وله أن يعتذر بمثل ما اعتذر به ابن هشام، صاحب السيرة، عين عيب عليه جلب كل غثاء من الأشعار: "وكان يعتذر منها، ويقول: لا علم لي بالشعر، أُتِينا به فأحمله". قال ابن سلام(في الطبقات8): "ولم يكن ذلك له عذرا".

 

ـ 9 ـ

شيخٌ للاستعمال !

"سَرق العيد، كأن العيد أموال اليتامى"!

(مشروع مقال)

 

العنوان أعلاه من وحي مقال وخطبة: المقال للأستاذ          بعنوان               وهو طويل مؤيَّد بشواهد كثيرة غنية نشر بجريدة المنظمة عدد      والخطبة للأتاذ الزمزمي ألقاها في مهرجان بالدار البيضاء ونشرت بجريدة التجديد عدد    .

الجامع بين المقال والخطبة هو الاستشهاد بفتاوى الشيخ القرضاوي وتصريحاته في مسعيين متعارضين بل متناقضين.

 فمن جهة يوظف المقال نصوصا من مؤلفات الشيخ ردا المحاظين والجامدين من الفقهاء في تعاملهم مع المرأة. وتلتقي هذه النصوص مع آراء الشيخ رشيد الغنوشي والشيخ حسن الترابي وكلهم ينعون على الفقهاء المحافظين تمسكهم بمفاهيم عصور الانحطاط وتنظيرهم للمجتمعات البدوية المتخلفة. وقد وظف ذلك كله لبيان تهافت آراء خصوم الخطة المغربية لإدماج المرأة، من باب: "وشهد شاهد من أهلها". ومن جهة ثانية يحتج الشيخ عبد الباري الزمزمي من خطباء الدار البيضاء بكلام الشيخ القرضاوي ضد الخطة المغربية على وجه التحديد.

يقول عبد الباري الزمزمي: "لقد سمعنا الشيخ القرضاوي جزاه الله خيرا تحدث عن الخطة في برنامج الشريعة والحياة، وتحدث عنها في خطبة الجمعة، .. وقد تكلم بلسان الإسلام عن الخطة التي سميت وطنية كذبا وزوراً".

اكتفى الشيخ الزمزمي بهذه الإحالة اعتمادا على سياق الرفض الذي عُقد من أجله المهرجان الخطابي، مؤدي الرسالة المسكوت عنه: نحن نرفض باسم الإسلام، وما دام الشيخ القرضاوي تحدث بلسان الإسلام فهو يرفض.

(شرد ذهني في هذه اللحظة فتساءلت: هل من الممكن أن نسأل الخطيب في منصته تلك عن أوراق تسجيل وتحيظ ذلك "اللسان"، وهل مازال متصلا بشرايين جسد الإسلام يتغذى منها، أم هو لسان مملح تفوح منه رائحة القَديد، أي الكديد، أو النفط)

وسنعود إلى محتوى كلام الشيخ القرضاوي.

ومما احتج به مقال الأستاذ لكحل  : "   ؟؟؟؟؟؟

 

أما بعد، فما الذي وقع حتى صار الشيخ القرضاوي حجة في الدفاع عن الخطة وفي القدح في خصومها على السواء؟ أكيد أن الشيخ القرضاوي ليس جُوكِرًا يملؤ كل الفراغات. كما أن الأمر لا يتعلق ببتر كلامه وإخراجه عن سياقه، ولا بتطور في وجهة نظره؟!

قد يُحل التناقض ظاهريا بالقول بأن الشيخ مع محتوى الخطة وضد مرجعيتها "الغربية" أو "الكونية"، وهذا أمر يؤكده موقفه من أغلب المواد المختلف بشأنها، في مستوى مدونة الأحوال، مثل قضية الخلع وسن الزواج وحق السعي...الخ

ونظرا إلى أن "الغربية" تساوي عنده "غير الإسلامية"، بغض الطرف عن كونيتها عنده أو عدمها، فالخطة إسلامية وغير إسلامية. أي أنها لا تناقض الأحكام الشرعية بل تناقض مفهوم الدولة كما يتخيلها التيار الإسلامي الذي انتدبه للحديث باسمه. وزوده بكل البيانات.

فمنهج الشيخ القرضاوي القائم على التيسير (إلى درجة يراها الأصوليون تفريطا) وعلى قبول العمل في إطار المشروعية المتاحة واستغلال كل الإمكانيات الإعلامية التي تتيحها "العلمانية الكافرة" والتوجه إلى الجماهير وخاصة الفئات والفقيرة والمضطهدة ومنها المرأة وغير ذلك من المخليات إلى مجال السلطة كلها عناصر ثابتة ومشتركة بين الشيخ القرضاوي والبرلمانيين الإسلاميين. إنهم يقبلون جميع صور التيسير على شرط أن يبقى الآخر بعيدا عن ساحة عملهم، أي مجال العمل الاجتماعي، ولذلك يقبلون العمل مع العسكر ومع جميع أشكال المخزن التقليدي لاعتقادهم بأنه يظل بدون جذور؛ يمكن التخلص منه في أية لحظة، ويرفضون أي تدخل في المجال الفكري والاجتماعي، بل يتحولون بسرعة إلى شموليين إن لم نقل أكثر من ذلك، ولا مانع عندهم في هذه الحالة أن يضموا إلى صفوفهم كل المحافظين من متزمتين بدون أفق وخدم مبرمجين، كما يستوعبون كل الرجعيين الموتورين اجتماعيا من فلول الزمن المظلم وعشاق عودته، وهذه ميكيافيلية سياسية تقتضي الكثير من الحكمة في معالجتها ثقافيا وإعلاميا حتى لا يؤدي الأمر إلى التفكير في دواء من طبيعة الداء كما وقع.

لنعد الآن إلى أوهام الشيخ القرضاوي: إن النزاع بالنسبة إليه ليس حول الإجراء الحالي لإنصاف المرأة ورفع الحيف الذي لحق بها بل هو صراع حول المرحلة التالية: هل هذه التربية(أو الإدماج) ستنتهي إلى خلافة إسلامية عاصمتها معروفة مسبقا ، ومُرشدها الروحي معين سلفا، أم لا؟

وهذا ما جعله ينزلق من مستوى التعليم والتخطيط السياسي إلى مستوى التنفيذ الميداني داعيا إلى التظاهر بالملايين حتى تسقط الخطة. لقد جرب ذلك في الجزائر (كما قال) فخرجت تظاهرة مليون امرأة. فما على المغاربة، إذن،  إلا أن يعيدوا تلك الوصفة المشؤومة  للوصول إلى النتيجة المعلومة! وإني لأستغرب رسالته لاحقا إلى الرئيس بوتفليقة يهنئه على فتح باب الوئام الوطني. إنه سلوك من يقتل القتيل ويمشي في جنازته. ولعل هناك من صدق وسَعى...وستسقط أوراق التوت، وسينكشف الغبار عن عن راكب الحمار.

 يظهر أن الشيخ القرضاوي يجهل تاريخ المغرب! عجيب أمر هؤلاء المغاربة لقد عاقبوا الشماخ ومن جهَّز الشماخ بأن بايعوا "نطفة"، عاقبوا الجاني بنقيض نيته.

يحلم الشيخ القرضاوي وهو يركب بساط الريح بجولة خاطفة يأخذ فيها المغرب تحت جناحه، مغرب ليس فيه أكثر كمشة من المتسللين الفرانكوفونيين الشيوعيين. كما شهد له بذلك شاهد "عدل" من البرلمانيين المغاربة، والله يجازيه من صنف الخدمة التي قدمها لوطنه.

الشيخ القرضاوي بعد أن تغلب على مناوشة الأحباش  استوى على كرسي البابوية يتلقَّى المدائح نثراً وشعراً حتى تضخمت أناه فخرج من الافتاء فيما يصلح للناس دينهم ويسير حياتهم، إلى إثارة الفتنة وتحريض الناس على العصيان في أمور خلافية مازالت محل أخذ ورد بين علماء المغرب ومنهم متنورون ومحققون لا يقنعون بمستوى فهمه وتحليله، ومنهم متوسطون على شاكلتي شاكلته، ومنهم محافظون ضيقوا الأفق، من طينة الشيخ إبراهيم الخولي الذي استمعنا إليه في حلقة من الاتجاه المعاكس، وقد تعمد القرضاوي نفسه ، في الحلقة التالية، نقض وجهة نظره في قضية الخُلع.

الأمانة: قرأت لم أقرأ

من العبارات المتداولة إلى حد الابتذال، في مجال مناهج المعرفة وأخلاق المعرفة، قولهم: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره، أو فرع تصوره".

والشيخ القرضاوي يخبرنا، وهو يتخلل بلسانه تخلل الباقرة، أنه لم يقرأ الخطة بل قرأ فقرات منها!!

لعله قرأ منها ما يشبه: "ويل للمصلين"!

ولو لقيه عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه لقال له ما قاله لغيلان وصاحبه حين احتجا بقوله تعالى: "إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا" على أن الإنسان مخير، فطلب منهما الاستمرار في القراءة فتابعا حتى وصلا إلى قوله جل شأنه: "وما تشاؤون إلا أن يشاء الله"..

فقال رضي الله عنه: "يا ابني الأتانة، تتركان الأصول وتأخذان الفروع".

هل يمكن الحكم على عمل أنجز من طرف حكومة بلد إسلامي، حكومة يشترك فيها سبعة أحزاب من اليسار واليمين، حكومة شعب وراءه تاريخ لا نظير له من النضال والتضحية من أجل الرأي، حكومة تعمل تحت إشراف ملك يُدعَى أمير المؤمنين"، هل يمكن لعالم عاقل أن يقول في مثل هذا العمل كلاما متهافتا مثل كلام القرضاوي:

أتَرى القاضي أعْمَى  أم تُراه يتعامى

سرقَ العيد كأن العيـــد أموال اليتامى!

 

 

 

ـ 12 ـ

مباشرة الإنصاف والتخليق

في تصريح الوزير الأول

 

نترك لذوي الاختصاص ما لا يدخل في اختصاصنا من تأويل الأرقام، رغم أن بعضها صريح الدلالة وبعيد المغزى، كمداخيل ترشيد النفقات، وتسديد مستحقات المقاولات، ومحاصرة التضخم..الخ، ونترك لما يستقبلِ من الزمان ما لايسمح حاضره بالخوض فيه من تأطير فكري وعاطي.

يمكن، بعد ذلك، القول بأن تصريح الوزير الأول تحية تستحق الرد بأحسن منها أو مثلها. ينبغي اعتبار محتواه اتزاماً و "عهدا" جديدا، على الجميع أن يسهر على دعمه ومتابعته، خاصة المناضلين الذين استبطأوا الرد، واشتكوا من عدم الاستماع، وأنا واحد منهم. ويمكن أن نسمي هذا التصريح: "خطاب الإنصاف والتخليق"، ونحيل عليه مستقبلا بهذا الإسم، حتى تبقى المسؤولية قائمة:

1 ـ من أوجه الإنصاف:

أ ـ يعتبر التصريح استجابة للتساؤلات والانتقادات التي ساهم فيها القريب والبعيد، كل من موقعه وحسب حساباته وخلفياته. وهو استجابة أيضا، وهذا بيت القصيد، لجرح غائر في الجسد المغربي، جرح مئات المناضلين الضحايا الذين أدوا ثمنا باهضا بدونه ما كنا لندخل هذه التجربة الرائدة في العالم العربي والثالثي. ولا يغرنك الكلام المجاني لمناضلي المناسبات السهلة، الذين لم يقتحموا غمارها إلا تحت ضمانة الأرصاد الجوية ومواثيقها المغلظة،  أو المخلوقات الغريبة المقحمة على المشهد السياسي في المغرب، فالسياسة هي المجال الذي لا يعرف الهبة والصدقة.

ولا شك أن فئات عريضة من ضحايا القمع طيلة أربعة عقود ـ وهم ينتظرون الإنصاف بمزيد من الشفافية والعدل ماديا ومعنويا ـ سيعتبرون مبادرة الحكومة إلى تضميد الجراح بالتزام محدد بالزمن(هذا الأسبوع) خطوةً عملية نحو معالجة فعلية. وبذلك فهم لم يكونوا في حاجة إلى تذكير الوزير الأول بأي "عهد" لأنه منحوت في جسده كما هو منحوت في أجسادهم. وهذه إحدى النقط التي اهتزت لها قبة البرلمان تصفيقا، ونحن نضم أكفنا إلى المصفقين، لنصفع  المسامع الصدئة لأعداء حقوق الإنسان.

فمن الأكيد أن هناك من لا يحس بأهمية تضميد هذا الجرح بالنسبة لاستقرار المغرب وسمعته، وإقبال الناس عليه، ولذلك لا يلتفت إلى هذا الحهد، في تقويمه لهذا التصريح، أو يعتبره ـ في أحسن الأحوال ـ هبةً أوتحصيلَ حاصل متعمدا الفصل بين الحكومة والمسار الديموقراطي الذي فرضها.

ب ـ من القضايا الإيجابية الداخلة في خانة الإنصاف في تصريح الوزير الأول إخراج قضية تحرير المرأة من دوامة اللجاجة التي يريد البعض إدخال فيها، وأنا لا أسميها بغير هذا الاسم: التحرير. هناك طرفان متطرفان  يصران على الربط بين كل مكونات الخطة: كل شيء أو لا شيء، البعض عن دهاء، قصده تعطيل الكل، والبعض عن سوء تقدير خوفا من التخلى عن بعض الجوانب المهمة إلى الأبد. وقد أحسنت الحكومة حين فصلت بين النقط التي أشارت إليها الأصابع (وقد قيل: ويل لمن أشارت إليه الأضابع ولو بخير!) وبين النقط التي لم تَثُر بشأنها اعتراضات، وهي الجم الغفير. ومن الأكيد أن هذا المسلك سيعطي ثماره بالتدريج بشكل تربوي وديموقراطي، فالمرأة التي ستستفيد من القسم الذي لا اعتراض عليه ستكون مؤهلة قريبا للمساهمة في تحصيل ما قد يتعرض للعرقة من القسم الآخر بشكل أكثر إيجابية وفعالية.

ومع إيجابية هذا الإجراء فقد كنا نتمنى، بعد هذه المدة غير القليلة، أن تكون مشاريع قوانين ما لا اعتراض عليه جاهزة. عسى ألا تمتد فترة الصياغة إلى ما بعد الربيع المقبل، وإلا فسيأتي عليها الصيف فتمسي كأن لم تمرَّ على مسمعٍ.

ج ـ الاستماع إلى شكاوى المواطنين. إن مؤسسة الوسيط حدث إذا ما اختير لها الرجال الذين لا تحوم حولهم الشبهات، ولا يخافون في الحق لومة لائم، وإلا فيُخشى أن يكون مصيرها كمصير الحسبة والأمانة (حيث يكون أمين الحرفة أحيانا أسوأ ممارسي المهنة). وقد سبقت هذا الاقتراح إجراءات قديمة على رأسها إلزام مصالح الدولة بالرد على مراسلات المواطنين، وإلزام الوزراء بموافاة الوزارة الأولى بالجواب عما يصدر في حقهم بالصحافة. فهذه الإجراءات وغيرها تدل على انشغال بمعاناة المواطنين والسعي للتخفيف من وقعها. وهذه أمور ينبغي الإلحاح عليها لأنها مدخل مستقبل بدون انتخابات مزورة.

2 ـ من التخليق

النقطة الثانية المشرقة التي جاء بها التصريح تتعلق بتخليق المرفق العمومي. فبعد الأدبيات المؤطرة جاء الالتـزام بإعطاء الكلمة للقضاء في "الملفات التي ثبت أنها تحتوي على أفعال يجرمها القانون". نتمنى ألا يكون هناك أي احتمال لصرف صيغة الماضي "ثبت" إلى المستقبل "سيثبت". كما نتمنى أن تكون هناك متابعة للملف، من طرف الحكومة، حتى بعد الإحالة على القضاء. فكثيرا ما اعتبرت حقوق الدولة غنيمة للمنحرفين الذين شوهوا وجه القضاء في المغرب، وما أكثرهم، وما أعظم بليتهم.

إن الذي أفسد الإدارة المغربية، في الواقع، هو اطمئنان المفسدين إلى إمكان الافلات من العقاب بشكل ما: فقد لا يعدو الأمر تقاسم الغنيمة أو التخلي عنها أصلا لجهة من الجهات، ابتداء من لجنة التحقيق مرورا بمن انتدبها، وصولا إلى الفاسدين من القضاة. واحينا يأخذ التقاسم اسم الصلح "حفاظا على السمعة!". كثيرا ما نسمع عن جريمة تزكم الأنوف ثم يعم الصمت وكأن شيئا لم يكن.

خاتمة: وفي الأخير نتمنى أن تجد الحكومة وسيلة لتفعيل مجالس المؤسسات وهيآت تسييرها وذلك للتقليل نسبيا من الأثر الهدام لأناس شبوا وشابوا على اعتبار مؤسسات الدولة هبة وإقطاعا، وهم يعتبرون محاولات الإصلاح الحالية مجرد زوبعة يحنون رؤوسم حتى تمر.

 

 

 

 

ـ 11 ـ

تعليق "متأدب" على بعض أقول الأستاذ الحبيب  الفرقاني في الخطة  بعنوان:

المتحاسسون حول الخطة

"لحماية الأسرة المغربية" من التنمية!

تمهيد:

حين قرأت  ما نشره الأستاذ الفرقاني في الصحيفة عدد      كتبت تعليقا بالعنوان أعلاه: نشاز على بحر الهرج. ولأن الأستاذ الفرقاني رجل وطني لا تشوبه فيما أعلم شائبة فقد تحرجت من نشر ما أثارته أفكاره من رد فيه نفحة من أسلوبه المتشنج، واستشرت بعض الإخوة، من نفس القناعة والمسار، فحبذوا عدم النشر لعل الأمرَ يتعلق بسورة غضب سرعان ما تنجلي. وقد حمدت الفكرة فعلا بعد الذي  رأيته من عودة المياه إلى مجاريها، في الأسابيع الأخيرة، إلى أن قرأت ما نشر باسمه (نص محاضرة) في جريدة التجديد (العدد 54. 02/02/2000)،  فاقتنعت أن لا بد من  التعبير بطريقة ما عن استهجان الأسلوب التحريضي المجاني الذي يطبع كلامه في هذا الموضوع، لأن مثل ذلك الخطاب، مع الأسف، يُلقح الفتنة، ويزرع البلبلة في وقت المغرب أحوج فيه إلى صوت العقل، والاعتدال في انتقاد اجتهادات إخواننا في الحكومة وتقويمها، أتمنى أن يفهم أن هذا الكلام موجه إلى كلامه وليس إلى رمزيته وشخصة الذي أتمنى له دوام الإشراق. وليعلم أن السخرية والاستخفاف هما أقل ما يمكن أن يواجه به عنف خطابه المتضمن لكل صور الاتهام والسباب مع التهافت الحجاجي، وقد اقتصدنا ما وسعنا الاقتصاد. 

وهذا نص ما كتبته وقتئذ وهو ينسحب على ما جاء في المحاضرة المنشورة في جريدة التجديد لأنه تكرر نفس الحجج المنهاجية.

1) ((قال الشاعر القديم:

وظلْمُ ذوي القُربَى أَشَدُّ مَضاضَةً عَلى المَرْءِ منْ وَقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

أقصد هنا القرابة بين "المصطهدات" و"المناضلين".

من المؤسف أن تُتخذ قضيةُ "حرية المرأة" مناسبة ومَطية لتصفية حسابات وتمرير خطابات غير بريئة.

يصدق هذا، بشكل أو بآخر، على الكثير مما كتب في مقاومة مشروع الخطة الحكومية، ولكنه يصدق بشكل دقيق على القصيدة الهجائية المسهبة التي دبجها الأستاذ الحبيب الفرقاني على بحر الهَرَج (بالمهملة) في جريدة "الصحيفة". فمن الأكيد أن القريحة الشعرية الكامنة في الأستاذ قد أسعفته مرة أخرى، ولكن شيطانها حضر هذه المرة وفي يده صفرٌ من النجوم.

أدرك مخرج "الصحيفة" الطبيعة الهزلية المفارقة للأفكار التي عبر عنها رجل ذو ماضٍ نضالي وهيبة دينية فوضع لحديثه هذا العنوان الذابح: "الفرقاني ضد خطة ليبرالية لأنه اشتراكي، ولن يُغير سِرواله".

وأنا أثني على هذا الصحفي وأحييه على ذكائه، لأنه استطاع أن يستخرج بعدين هامين على الأقل في العنوان الذي اختاره:

1 ـ البعد الفكري المتجلي في رفض خطة تتبناها حكومة يترأسها اشتراكي بحجة كونها ليبرالية. رفضها من خلال الانتماء إلى "هيئة" ذات أرضية إسلاموية تحاول التنويع ببعض الألوان الرجعية الباهتة .

فمؤدى العنوان بمناسبته أن "الفرقاني" (هكذا) اشتراكي يقاتل ضمن الفيالق المشبوهة المتعاونة على دفن مشروع تحرير المرأة، ولكنه يفعل ذلك  لعلة أخرى تميزه عن جوقة الرجعيين، فهو منهم وليس منهم، هو يقول: "الخطة ليبرالية"، أما "مُحاسِسُه" الأول، الدكتور الخطيب، فيقول: الخطة كافرة. فهل يؤدي التحاسس بين الرجلين إلى أن اللبرالية هي الكفر بعينه؟

قال العقل في حال طه حسين ما معناه:

يقولون: شيخ أزهري، وهو يقول: قرأت في السُّربون.

ويقولون: كفيف، وهو يقول: شاهدت في السينما...هل هو كائن حقيقي أم خرافي؟.

 لا عجب: إنه فرس بجناحين، وأسد بوجه إنسان. غير ممتنع في الخيال وإن امتنع وجوده في الواقع. هذا عن مارقات الإشتركية المتحاسسة مع اليمين الـ...

2 ـ أما البعد العاطفي فقد سجله المخرج بذكر "السروال". فالسروال في مثل هذا السياق الجدي المهيب ذو قيمة وجدانية سالبة، يمكن أن يؤول إلى الهزل، ولكن يمكن أن يدل على أن الشخص فقد صوابه أمام موقف محرج وهذا ما وقع فعلا. فقد كان ذكر السروال في حديث الأستاذ ردّاً على من ادعى إنه قلب "الفيستا"، وهنا ينزل الحوار إلى مستوى السجال الشفوي غير اللائق في مثل هذا المقام الحساس ...

وليس الغرضُ من قولي "غير اللائق" هنا إصدار حكم قيمي، بل الغرض هو التأكيد على أن المتحدث لم يكن معنيا بمأساة المرأة، بل هو مشغول بمقارعة "الإخوة الأعداء" كما سماهم.

من هم الإخوة الأعداء؟ من الأكيد أنهم الموصوفون بالصفات التالية: "طَوابيرُ الأَثَرَةِ والاحتكار، والزعامات الفاشلة، المغامرات الحالمة... راكبي الصلف والغرور، وقادة السمسرة والعبث المجاني الدنيء... بمصالح شعب وقضايا أمة... ومصير وطن".

حين نصل إلى آخر هذا الكلام نفهم، والله أعلم، من هم "الإخوة الأعداء" . جميعُ العبارات الواردة هنا تعالج قضية الإقصاء. يفهم إذن من هذا الانسياب الهجائي على بحر (الهرج) أن المشكل ليس مشكلَ إدماج المرأة ولكنه مشكل إدماج مناضل مضطهد، أو يحس بالاضطهاد (؟)

يبقى بعد هذا الانسياب العاطفي الهجائي الكاسح أن حكاية الليبرالية ما هي إلا قناع، يقول: "كيف أساند خطة ليبرالية طبختها وحضرتها لنا مؤسسات ليبرالية استعمارية معروفة...".

مهلاً سيدي! هل هذه هي الطبخة الأولى التي طبختها الليبرالية بمؤسساتها من اليونيسكو إلى البنك الدولي: أتُراكَ من أنفق على برنامج التلقيح ضد الأوبئة منذ سنوات، من طعم أطفال المغرب؟ هل نسيت القروض؟ ألا تعلم أن مراكز البحث العلمي في المغرب في الجامعات والمعاهد والمدارس العليا تعيش وتنتعش بالأعمال المندمجة مع مراكز البحث في أوروبا وأمريكا، وهي صيغة لصون ماء الوجه، فالثقل المادي فيها على الآخر، على ذلك الليبرالي المهيمن، وبدون ذلك التعاون سنعود لقدح الزناد، رحم الله من عرف قدره.

ألا تُوجِّه هذه الغيرة لآلاف الطلبة الذين يستجدون التسجيل بأبواب المختبرات والجامعات الليبرالية. ويعتبرون أنفسهم محظوظين حين يجدون منفذا للهرب "منا"، من أنافتنا الكاذبة أو الساذجة على أقل تقدير ... إلى آخر اللائحة. فما الذي جعل قضية المرأة وحدها تستحق تأسيس "هيئة وطنية لحماية الأسرة المغربية" من التنمية؟

إذا كان حدث نضالي مثل "إدماج المرأة في التنمية كافيا لتوحيد الإحساس بين رجال مثل السيد الفرقاني والسيد أحرضان والسيد الخطيب...الخ كما جاء في عبارة الأستاذ الفرقاني فإن من حق المرء أن يتساءل: هل بدأت في المغرب عملية فرز فكري وأيديولوجي بعد أن تحول الصراع (أو خيل للبعض أنه تحول) من تصادم الكتل  (كتلة القوى الوطنية الحية مجتمعة،  وكتلة المخزن وأعوانه وعملائه مجتمعبن) إلى تصادم الأفكار؟ هل حقّاً انتهى تصادم الكتل الصماء؟ إذا كان هذا هو جوهر المشكل فمن الأجدى التخلص من الأقنعة ليلتحق كل بموقعه الطبيعي.

سيكون إدماج المرأة امتحاناً عملياً لا يُضاهيه امتحان، إن المسألة ليست في الحدود التي طرحت بها لحد الآن، إنها عملية تحرر شاملة؛ بدأها الإسلام بتحبيذ تحرير العبيد والإماء والحث على ذلك دونما نص على التحريم، وقد تكفل المسار التحرري للبشرية بالتصديق على إرادة الله في الحث على حرية الإنسان فحرمت العبودية في جميع البلاد الإسلامية تبعاً للمواثيق الدولية الليبرالية، ولم يعد أحد يحتج بالنص قطعيا أو متشابها، وستحرر المرأة من طغيان الذكور فحولا وغير فحول، وسيكون ذلك كما تؤكد اجتهادات الفقهاء المستنيرين في القديم والحديث تحقيقاً لإرادة الله الذي كرم الإنسان بما هو إنسان)).

 

 

ـ 12 ـ

من الشماخ إلى القرضاوي

المغاربة مُقصرون في التعريف بتاريخهم كدولة وكأمة متماسكة أكثر من أربعة عشر قرناً ولذلك سرعان ما يتذكر "الشرق" تلك الأرض التي لم يُكمل "فتحها".

 من الشماخ إلى القرضاوي أفواجٌ من الواهمين أو المرتزقة المبعوثين من ساداتهم لإعادة العروس الجميلة المتمردة إلى بيت الطاعة، من الشماخ إلى القرضاوي مُتسللون عبر الشعاب والوهاد ومتسللون عبر الفضائيات إلى حريم الحسناء.

لقد طارد المغاربة الشماخ عبر الوهاد والشعاب ونجا بنفسه بشق الأنفس كما ينجو كل مرتزق بدون دنيا ولا آخرة، ونكاية به وبمن سخره بايعوا نطفة منهم، ورَعوها حتى أينعت... وحتى قال واحد من امتدادها.

وأنا أستمع إلى برنامج الشريعة والحياة الحلقة المخصصة للمرأة والتنمية (الخطة المغربية على وجه التحديد، وعن سبق إصرار وسوء نية)، تخيلت لحظة أن الخطة تحولت إلى كرة طاولة (داخلها المغرب طبعا) يتقاذفها مُسير البرنامج والشيخ "الذي رجونا بركته" فدخل ببلغته.

في حين يقوم الأستاذ أبو زيد الإدريسي مع الأسف، بدور بجمع الكرات وردها إلى اللاعبين لتنال مزيد من القذف والنتف.

لأبي زيد الإدريسي ـ وهو يتحدث بصفته برلمانيا ـ أن يقول في قضية تهم وطنه ما يشاء وقد قال الكثير، وله أن يستشهد بفتاوى الشيخ القرضاوي كما شاء، ولكني أنزه أي مغرب شريف غيور على وطنه أن يلعب دور لاقط الكرات أو دور ما أنزه القلم عنه...

اِسمعوا ما قال مُلاعبُ القرضاوي عن المغاربة. "القوم مقلدون للغرب".

إن هذا الرجل يجهلُ أننا في المغرب حين يتحدث عن الأميات ونعطي تلك النسب العالية دون خجل أمام العالم نهتم أيضاً بالأمية الفكرية والأخلاقية. فمن الأمية الفكرية والأخلاقية أن يقدح شخص ينتمي إلى الفكر والشرع في شعب مُتهما نُخبه...

لقد أصبحنا مجرد "قوم" بدون صفة مميزة في المجال المتداول فيه، لسْنا علماء، ولا مشرعين...الخ إذا كنت تجهل، يا شيخ الفتنة، فاعلم أن المغرب يضم نخبة من العلماء من المستوى العالي في كل المجالات، نحن لسنا مجرد “قوم” بدون صفة. وفي المغرب توجهات اجتهادية غنية إلى حد التعارض. ولعلك لم تسمع غير الصوت الذي سعى إليك وأردت سماعه، ولو أنصفت لطلبت سماع رأي الأطراف الأخرى قبل أن تصدر فتواك وتباشر تحريضك على خطة لم تقرأها بشهادتك المجانية الخجولة. إن سلوكك خيانة للأمانة العلمية وخيانة للمنهج الإصلاحي القائم على التعفف.

يَسمع الأستاذ أبو زيد هذا القدح في قومه ثم يُؤمِّنُ عليه جاعلا من يخالفه الرأي مجموعة: "من الفرانكوفونيين الشيوعيين، هل يجهل الأستاذ أن لا أسهل من القذف، ولا أسهل من الكذب ولكن حبلهما قصير.

تجاوزَ الأمرُ القذف والكذب والتحريض.

بدون حياء أو خجل يذكر الشيخ كيف مارسَ التحريض في الجزائر وهو يرى اليوم عاقبة ذلك السلوك الأخرق. ها هو شعب الجزائر يهذر السنوات الثمينة والأرواح الأثمن في إطفاء نار الفتنة التي أشعلتها أنت ومن كان معك من الميكيافيليين في حين طرت أنت بعيداً عن الفتن وعن المآسي المادية والمعنوية إلى الأستوديوهات الراقية والفنادق الفخمة والطائرات المرفهة.

تظهر في البرنامج لتلقي المدائح منثورة ومنظومة بدون خجل، لعلك تتطلع إلى البابوية، لا بابوية في الإسلام

 

الفرق السيكولوجي بين المغرب ومصر:

كان الشيخ يدافع عن رأيه المؤيد للخلع كما قرر في مصر متعمداً الرد على آراء الشيخ إبراهيم الخولي في برنامج الاتجاه المعاكس، مجيباً في الوقت نفسه عن سؤال تهرب منه الخولي وهو: هل من الشرع بل أو من الشهامة أن يصدر الرجل على معاقرة امرأة ترفضه، ذلك السؤال الذي عرفت ذ. فريدة النقاش كيف تصوغه؟

المهم وصل الشيخ القرضاوي إلى القول: "...."

وهنا التقط الرَّسيلُ الكرة وما يدري أنها جمرة ورَماها في حجر الشيخ؛ سأله عن وضع قضية العلاقة بين القاضي في الخطة المغربية، هذه القضية التي رفضتها لجنة الأوقاف واعتبرتها طريقاً للزنى والفاحشة. كأنما صب على الشيخ سطلا من الماء المثلج، فكر وقد ثم وأدبر واستكبر فقال: ليست المسألة سواء المصريون استندوا إلى الشرح والمغاربة إلى الضرب. والنتيجة أن الطريقين وإن أديا إلى روما فروما التي نصل إليها من المغرب مرفوضة والتي نصل إليها من مصر مشروعة وإن كانت روما هي رُوما.

قال متخبطا: ".............."

فهل هناك تهافت أكثر من هذا بالنسبة لفقيه تُرجى نزاهته وفطنته، لقد عبث الهوى بعقل الرجل. فلم يبق له شيء يتعلق به غير الألفاظ فتعلق بعبارة "الصحة الإنجابية".

لقد خرج الرجل من حدود اختصاصه ونصب نفسه حتى على المعجم الذي ينبغي للمغاربة استعماله في التعبير عن أفكارهم، وهو يذكر هنا بأحد شيوخ الغباء في الأدب العربي كان يضيق صدراً بمصطلحات البلاغة الحديثة ويسمى المناهج الحديثة "المناهج الرومية، قياساً على الدجاج الرومي" حسب عبارته، وقد سارت القافلة في طريقها ورمله التاريخ في مزبلة لا يذكر ـ بعد عمر طويل ـ إلا بمثل هذه الفدلكات الغبية.

إن الكثير من المحافظين لا يدركون فحوى المصطلحات والتراكيب الجديدة لأنهم لا يدركون المفاهيم التي تقتضيها، فهم يكتفون بتقطيع عتيق بسيط للكون والمعرفة. وكان الأجدر بهم أن يتواضعوا ويطلبوا من أهل العلم بيان ما يجهلون.

القوم

قال: "

تمرير المهم

لتمرير التوجه الذي يحاول الشيخ جر المستمع إليه توجه ابن تيمية (الذي قارعه عليه الأجناس) ظهر بمظهر المتفتح الذي يدعو إلى عدم التقوقع في مذهب واحد، إذ الأئمة ليسوا أربعة... وفي نهاية هذا المسلسل يأتي المهم ابن تيمية وابن القيم... الخ.

الانزلاق:

"التمييز ضد المرأة" يصير "التمييز بين المرأة والرجل" ثم يصير التمايز الطبيعي بين الذكر والأنثى.

هل يتعلق الأمر بمغالطة أم بغلط؟

الطابق السُّفلي لسخرية القدر

الطابق السُّفلي لسخرية القدر هو سخرية البئيس. قال لاقط الكرة ساخراً عن بسمة صفراء خبيثة: :تقدمية!"

إن الطابق السفلي لسخرية القدر يحتاج إلى شحنة كبيرة من الغباء لكي يتحقق. وليس أغبى في الوضع الراهن للأمة العربية، من قصير نظر لا في العير ولا في النفير يسخر "التقدمية" المغربية.

ولذلك قال الله في أصحاب هذه الدرجة "سخر الله منهم".

 

 

أغلاط ومغالطات الشيخ القرضاوي

 

وأنا أستمع إلى حديث الشيخ القرضاوي عن الخطة الوطنية المغربية لإدماج المرأة في التنمية استرجعت قول الشاعر:

أتَرى القاضي أعْمَى    أم تُراه يتعامى

سرقَ العيد كأن العـيـد أموال اليتامى

الصورة التي تظهر للمغرب من خلال كلام الشيخ هي صورة الأرض التي لا مالك لها، أرض فيها "قوم" (هكذا قال) لا هوية لهم. أرض موات فقد جاء لاستصلاحها، ثم تملكها قبل أن يصلحها بناء على أن الأعمال بالنيات هكذا على الفضاء صار الرجل وملاعبه ولاقط الكرات الطائشة يعبثون في جنبات الحرمات.

استرجعت تلك الأبيات (ثم ؟؟؟؟) فاسترجعت قصة الشماخ الذي جاء لإعادة العروس إلى بيت الطاعة واسترجعت صالح الكاهية وكومندوس الترك الذي أرسل من القسطنطينية لاغتيال محمد الشيخ السعدي لأنه رفض أن يَدعو للأتراك على منابر المغرب.

عجيب أمر هؤلاء المغاربة لقد عاقبوا الشماخ ومن جهَّز الشماخ بأن بايعوا "نطفة"، عاقبوا الجاني بنقض نيته.

يحلم الشيخ القرضاوي وهو يركب بساط الريح بجولة خاطفة يأخذ فيها المغرب تحت جناحه، مغرب ليس فيه أكثر كمشة من المتسللين الفرانكوفونيين الشيوعيين. كما شهد له بذلك شاهد "عدل" من البرلمانيين المغاربة أبو زيد الإدريسي، والله يجاريه من صنف الخدمة التي قدمها لونه.

الشيخ القرضاوي بعد أن تغلب على مناوشة الأحباس له استوى على البابوية يتلقَّى المدائح نثراً وشعراً حتى تضخمت أناه فخرج من الافتاء فيما يصلح للناس دينهم ويسير حياتهم، إلى إثارة الفتنة وتحريض الناس على العصيان في أمور خلافية مازالت محل أخذ ورد بين علماء المغرب ومنهم متنورون ومحققون لا يقنعون بمستوى فهمه وتحليله ومنهم متوسطون على شاكلتي شاكلته ومنهم محافظون ضيقوا الأفق مثل إبراهيم الخولي الذي استمعنا إليه في حلقة الأسبوع من الاتجاه المعاكس، وقد تعمد القرضاوي نفسه نقض وجهة نظره في قضية الخلع، وأصحاب حسابات.

الأمانة: قرأت لم أقرأ

من العبارات المبتذلة في مجال المعرفة قولهم: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره، أو فرع تصوره".

والشيخ القرضاوي يخبرنا "بعظمة لسانه" أنه لم يقرأ الخطة بل قرأ فقرات منها!!

لعله قرأ منها ما يشبه: "ويل للمصلين"!

ولو لقيه عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه لقال له ما قاله لغيلان وصاحبه حين احتجا بقوله تعالى: "إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا" على حرية الإنسان، فطلب منهما الاستمرار في القراءة فتابعا حتى وقعا في قوله جل شأنه: "وما تشاؤون إلا أن شاء الله"..

فقال رضي الله عنه: "يا ابني الأتانة، تتركان الأصول وتأخذان بالفروع".

هل يمكن الحكم على عمل أنجز من طرف حكومة بلد إسلامي، حكومة يشترك فيها سبعة أحزاب من اليسار واليمين، حكومة وراءها تاريخ لا نظير له من النضال والتضحية من أجل الرأي، حكومة تعمل تحت إشراف ملك يدعى أمير المؤمنين" هل يمكن لعالم عاقل أن يقول في مثل هذا العمل:

"

ويتواطئو مع مُنشط صحفي حاقد من زمان، متهكماً: "تقدمية..."

مظاهر عدم الاطلاع

1 ـ الوقوف عند اللغة

2 ـ قبول الكثير مما يرفضه خصوم الخطة.

 

 

 

 

 

 

 

ـ 12  ـ

تعليق على حديث الأستاذ عبد الله الطيب

شرودُ المحدِّث عن "أّحْسَنِ اَلْحَدِيثْ"

 

 

1 ـ المحدث

المحدث هو العلامة الأستاذ عبد الله الطيب المجدوب أستاذ الأدب العربي القديم والنقد، صاحب كتاب: المرشد. عملَ بالجامعة المغربية أستاذاً بكلية الآداب بفاس، ولقي القبول والاحترام لموسوعيته الأدبية ودماثة خلقه، فهو من حفاظة الشعر، وواحد من أحسن المتذوقين للأدب القديم وحده.

 اطلع في شبابه البعيد على بعض أدبيات النقد الانجليزي المعادية للتنظير. وتوقف الزمن.

 شُحن بالحس القومي قبل أن تختلط القومية بالحداثة فرجع بقوميته يُصفيها من الحداثة فلم يبق له منها إلا ما أُنتج في العصر الجاهلي وصدر الإسلام قبل التدوين، وبقي عالم محفوظات.

يرى أن العرب قالوا كل شيء قبل الاتصال بالأمم الأخرى. وما قالوه مبثوث في أخبارهم وأشعارهم لا يحتاج إلى منظومة مُصطلحية مضبوطة أو نظرية علمية مخطوطة. حين لم يعد يفهم ما يقال في الأدب قلب الوجهة نحو جمهور أميل إلى الاستماع، ما له في كد الذهن مطلب ولا مطمع.

 

 حين أصدرنا مجلة دراسات أدبية ولسانية في منتصف الثمانينات عقدنا ندوة حول علاقة النقد الأدبي باللسانيات شارك فيها مجموعة من الزملاء الباحثين الشباب من شعبتي اللغة العربية والفرنسية ولتحقيق تفاعل بين القديم والحديث أجرينا حواراً مُطولاً مع الأستاذ عبد الله الطيب حول النقد الأدبي عند العرب بسط فيه وجهة نظره التي أشرنا إليها، ونشرنا مواد الندوتين في العددين الأول والثاني من المجلة المذكورة.

وقد عرف الأستاذ عبد الله الطيب محاضراً بالاستطراد الذي يجعل الذاكرة تلغي المقام، وتذهب إلى ما ترسب فيها من مشاحنات مع الحداثة والحاثيين. وهذا ما وقع له في الحديث الرمضاني الذي ألقاه أما جلالة الملك محمد السادس وعلماء المسلمين في الرباط هذه السنة 1999.

2 ـ الحديث

تناول درسُ الأستاذ قولَه نعالى: "الله نزَّل أحسن الحديث..."

عرض المحدث الجوانب لغوية كخروج صيغة التفضيل عن معنى المفاضلة بين كلام الله وكلام غيره، ثم انزاح عن الموضوع إلى قضيتين تشغلان ذاكرة الرجل ولا يتسع إليهما المقلام، وهما: سَبْقُ القدماء الجاهليين إلى المفاهيم النقدية وقضية الصرفة. وهما تنطويان معاً على صراع صريح وضمني ضد الحداثة والعقلانية وتنطويان على تناقضات وأوهام.

1 ـ القضية الأولى: سبق الجاهليين

2 ـ القضية الثانية تخطيئ الباحثين عن الإعجاز في النظم.

 

لبيان حسن كلام الله، استشهد المحدِّث بالمتلقي المعاصر للوحي فحكى الخبر المشهور بين  ؟؟ بن أمية أهل مكة الذي قال: إنه يسحر. كما أورد خبر محاولة بعض المتنبئين تقليد القرآن الكريم فأعجزهم ذبك. هذا شق المسألة ونراه من وجهتنا تقريراً لواقع وقد عرضنا لتأويل مغزاه عرضاً في أكثر مناسبة سابقة. ولكن الشيء غير المفهوم هو النتيجة التي رتبت عليه ورفض ما يناظره ويدخل في حكمه.

3 ـ النتيجة الغريبة

استنتج من حادثة ابن أمية وقومه أن العرب كانوا على دراية بنقد الكلام منذ الجاهلية وأن المحدثين لم يأتوا بجديد وقولهم بأن النقد كان ساذجاً قبل عصر التأليف يدل على سذاجتهم، وهنا انزاح المتحدث من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم تجنيباظص للحديث، أي نقله من الخصوم القدماء إلى الخصوم المتوهمين في معركة اظلصالة والحداثة الملتهبة في المشرق المتجاوزة في المغرب "لحن السذج".

والأستاذ لا يفرق هنا كعادته بين ملاحظة الوقائع واستنتاج بعض المعاني والعبر من تلك الملاحظةوهو الذي سماه اليابانيون القدماء "الاعتبار" وبين العِلم الذي يقصِّده المؤرخون لنقد الأدب حين يقولون إن النقد كان ساذجاً. العلم لا يقف عند الملاجظة بل يعدوها إلى وضع فرضيات والتدليل عليها إلى آخر ما هو معلوم عند أهله والنقد باعتباره علماً يقتضي عزل الموضوع أو بلورة سؤال. وقد قدم قدامة ابن جعفر في سطور هذه الإشكالية في مقدمة نقد الشعر بعد أن حام حولها علماء آخرون، ولم يُبلور السؤال الجوهري أو الخاص إلا مع عبد القاهر الجرجاني.

فمع عزل الموضوع وبلورة السؤال وعبر عمليات التعريف تتنور المنظومة المصطلحية التي لا وجود لعلم في غيابها، لأن العلم تواصل بلغة خاصة دقيقة، وقبل وجود هذه اللغة الخاصة تكون الملاحظة الساذجة. إن القول بأن القدماء المحدثين؟؟؟ إلى كل شيء لمجرد أنهم عبروا عن انفعالهم بالإشارة إلى (التصفيق مثلا) أو العبارة الانفعالية "الله..!" أو العبارة المجازية (جميل والله.. ساحر) يدل على عدم التفريق بين العلم وما قبل العلم وهو التفاعل العففوي مع الكون وفيه يشترك الإنسان وغير الإنسان ولذلك قيل إنه ساذج (بمعنى هنا على أن الساذج بالنسبة لمن يرسم سجية).

لم يكن من المناسب علماً القول بأن الجاهليين سبقوا إلى كل شيء في نقد الشعر، ولم يكن مناسباً مَقاماً التنزيه بالجاهليين، وأقصد هنا

نقل الباحث نقاشاً زائفاً في أصله حول أصالة النقد الأدبي عند العرب وتأثره بالثقافة اليونانية، ولهذا الميدان وقد ترجم هذا الرأي بالنسبة للقائلين به بوجهين أحدُهما عكف على الشعر العربي الجاهلي والإسلامي على لسان العرب يلتقط الألفاظ في غير نسق ويكدسها في غير نظام متوهماً أنه يقوم بعمل علمي وهذا الاتجاه كثيراً ما يعادي النظرية، ويعادي ما بعد الجاهلية، وصدر الإسلام، أو لا يهتم إلا باعتباره امتداداً. وهذه هي المدرسة التي ساهم الأستاذ عبد الله الطيب في إرسائها في فاس وما جاورها، ونحن حين نقرأ ما ينجز من رسائل جامعية بالعشرات في هذا الإطار نتساءل ما جدوى هذا العمل العشوائي المعادي للعلم والأعراب بالباب.

وكنا في منتصف الثمانينات أجرينا حواراً مع الأستاذ عبد الله الطيب حول هذا النقد ونشرناه في العددين الأول والثاني من مجلتي دراسات أدبية وكنا نعتقد أن هذا المنحى

2ـ أخطأ الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني في مسعاهما إلى البحث عن إعجاز القرآن في نظمه. وكانت الأمانة تقتضي التنبيه إلى أن هؤلاء العلماء وغيرهم من علماء المسلمين لم يركزوا جهدهم على النظم إلا بعد استقصاء الأوجه الأخرى الممكنة كما فعل الجرجاني في الرسالة الشافية وهذا لا يكلف أكثر من جملة. وكانت فسحة العمر ـ أطال الله فيه ـ قد أتاحت للأستاذ أن يمدنا بعمل علمي مبني بنفس القوة التي بني بها عمل عبد القاهر. الطعن في أمثلة الجرجاني..

3 ـ الرد على قول المحدثين بأن النقد العربي القديم قبل التأليف كان ساذجاً، وقد نسي المحدث اللحظة التي تتحدث فيها فقال بل "نحن سذج". وهو يرى أن كل شيء وجد في الجاهلية ومن ذلك مفهوم الفحولة.

وفي هذا القول فضلا عن الخروج عن الموضوع والمقام مأخذان أساسيان:

3 ـ 1. عدم التفريق بين المحتوى المعرفي والأنساق المعرفية.

3 ـ 2. الخلط بين الجاهلي الأعرابي والإسلامي الإيماني

4 ـ رحيله

نسب القول بالصرفة للمعتزلة، وهو يعلم أن هذا القول هو قول مجموعة من البلاغيين معتزلة وغير معتزلة. وكون أول قائل به معتزليا (واصل بن عطاء) لا يبرر نسبة للمعتزلة على الإطلاق. بدليل أن أكبر بلاغي اعتزالي كما ذكر هو نفسه أي الجاحظ رفض هذا القول، وأكمل نموذج بلاغي بنى على نظرية الصرفة ليس من إنتاج واحد من المعتزلة بل هو ذلك الذي بناه ابن سنان الخفاجي والراجح أنه شيعي.

فالأمر ليس بالبساطة التي تسمح بإسناده إلى المعتزلة على الإطلاق ولكن الأستاذ كان كغيره يهدف إلى الإدانة (تبرؤ الجاحظ من بعض المعتزلة) (المبدأ والشخص)

4 ـ العبرة

بعد كتابة الفقرات الثلاث تساءلت في نفسي: ما الغرض من استدعاء ناس استقالت عقولهم، وتوقف نظرهم إلى المستقبل، فلم أجد غير استنفار خصوم الحداثة من كل صوب وحدب. وقلت في نفسي هل يتناسب هذا المسلك مع العهد الجديد؟ وتكاثرت الأسئلة فصرف النظر عن الموضوع حتى قرأتُ الحوار الذي نشرته الصحيفة (عدد   ) فوجدت الوزير يجيب عن السؤال المحير قائلا:

"؟؟؟؟؟"

فعدت إلى الكومبيوتر وأضفت هذه الفقرة الرابعة وقررت نشره مساهمة في الحوار. أتمنى ألا    يكون حديث المتحدثين في المسائل الدينية ـ التي لا أتقنها ـ مثل حديث أستاذنا عبد الله الطيب في هذه المسائل البلاغية والنقدية وإلا فاللهم الطف بعقول من نترجم لهم مثل هذا الحديث.