سحر الأمكنة

 في

أشواق درعية / العودة إلى الحارة

 

نظمت جمعية وادي الحجاج ندوة حول المعمار الترابي بمنطقة ورزازت يومي 4ـ5/04/03. وقد خصصت الجلسة الأخيرة لتقديم كتابنا أشواق درعية.   قدمت الأستاذة سعيدة عزيز عرضا بعنوان المعمار في الأعمال الأدبية أشواق درعية نموذجا. ثم قدمت الكلمة أدناه. وختمت الندوة بحفل توقيع الكتاب. أهدى خلاله المؤلف مجموعَ الكتب المعروضة على هامش الندوة من تأليه أو مما أشرف على إخراجه إلى مكتبة المجلس القروي بهسكورة.    

 

للأمكنة وجودٌ واحد طبيعي جغرافي شبه قار، ولها وجود متعدد في الأعمال الإبداعية المعمارية والسنمائية، وفي الأعمال الأدبية السردية خاصة، فالمعمار كتابة على الطبيعة، والأعمال الأدبية كتابة ثالثة فوق الطبيعة والمعمار.

الكتابة السردية، من نوع السيرة الذاتية، تجمع الواقعي والخيالي في ربقة واحدة، غير أن الخيالي هنا لايعني اختلاق وقائع أو معطيات غير موجودة أو أحداث غير واقعة، بل يعني الاختيار والتنظيم المؤديين إلى تدليل جديد للفضاء؛ قد تبوح السيرة بمكنون طوية الأمطار والسيول والرياح والأنهار، وتفشي أسرار القصور والقصبات وما يجوس خلالها من إنسان وحيوان.

وبرغم كون الاختيار قراءة فردية فإنه يحمل بذور قراءة جماعية (أو قراءة مع الآخر)، حيث يستنهض هذا النوع من النصوص قراء إضافيين أكثر فضولية وأشد انتباها واهتماما من القراء العاديين، هؤلاء القراء اليقظون هم المنتمون إلى نفس الفضاء المشتركون في الأرضية المنتقى منها.

لقد أثارت ورزازات انتباه المخرجين السنمائيين بطبيعتها الساحرة، كما أثارت قصباتها وقصورها الجميلة اهتمام المنشطين السياحيين من أنحاء مختلفة من العالم غير أن السيرة الذاتية تختلف عن العمل السنمائي المغتربِ الموضوعِ في كونها تنحو نحو تأكيد هوية الأمكنة. تؤكدها  من خلال المقاطع الزمنية التي تسعف بها ذاكرة كل راو وهو يتفاعل مع الماضي من خلال وجوده الآني، بما فيه من فكر وسياسة ومطامح وكدمات. فالأمكنة في هذا النوع من العمل السنمائي مجرد خلفية للصورة، وكأنها مجرد ألوان وأشكال بدون ذاكرة أو وجدان. على أن السيرة يمكن أن تكتسب أهمية إضافية إن توفرت لها عناصر التحويل إلى عمل سنمائي وثائقي/إبداعي. وهذا سيكون ممكنا حين تتعدد النصوص التي تتخذ المنطقة فضاء للكتابة.

أشواق درعية العودة إلى الحارة سيرة أمكنة في المقام الأول، فالعودة تتضمن المكان، والأشواق تستدعي الأحضان. تمتد أمكنة الطفولة في منعطف الاستقلال عبر قصبات ساحرة وقصور مفعمة بحركة الإنسان والحيوان في تناغم وانسجام. من قصبة أيت بنشهاب حيث رأيت النور بقرية الحارة، وهي إحدى أجمل القصبات التي فقدتها المنطقة بعد أن تلاطمت عند جدرانها مياه بحيرة سد المنصور الذهبي. ومن قصور الحارة امتدت رحلة الحياة نحو قصور كلاوة وأصهارهم في ورزازات وسكورة وتاليوين. هذا العالم السحري حيث الأبراج الجميلة التشكيل والزخرفة من الخارج والمقصورات والدهاليز الرطبة في عز الصيف، المعتدلة الهواء في عز الشتاء من الداخل. عالم الحريم والمحجبات وعالم الطغاة من حكام كلاوة يقتحمه طلبة العلم من أبناء الشعب مع مجيئ الاستقلال بعد أن سُخِّرَ آباؤهم في بنائه تحت سياط حكام كلاوة. ذلك ما أسميته الحكمة الخفية في تحويل قصور كلاوة إلى مدارس دينية. ثم يتلاشى حماس الاستقلال، ويتم الانقلاب تسعين درجة على إرادة جمعية علماء سوس مدعومة بإرادة محمد الخامس فتتحول قصبة دار أيت الشعير  بسكورة من فرع للمعهد الإسلامي (معهد محمد الخامس حاليا) بتارودانت إلى معتقل سري من جملة معتقلات شوه بها النظام المخزني الكريه وجه المنطقة.

عندما انتقلت، في عملية ذهاب وإياب، إلى "خيمة" من الخشب والقصدير بمدينة المحمدية قرب مانسمان، في نهاية الخمسينات، أدركت مدى تشكيل هذا العمران لنفسية أهله، لقد أحسست وأنا داخل الخيمة وكأني جالس على الرصيف أو متلحف بورقة توت. لا يشبه ذلك إلا الانتقال من مشاهد النساء الملتحفات العاطلات من أي زينة بين نخيل درعة إلى مشاهد النساء الحاليات العاريات المتمددات على طول شاطئ مانسمان، تخيل أنت مدى الهزة في كيان الإنسان.

الحارة التي أحدثك عنها اسم علم، مثلها مثل الكتاب لسيبويه. قد لا تبدو في الخارطة أكثر من نقطة صغير على الضفة الشمالية لوادي درعة ولكنها في واقعها الحي، في وقتها، مترامية الأطراف؛ كانت تحكم خُمْسَ هسكورة. الحارة قريبة في لغتها وذهنية أصحابها من مراكش إن لم يكن هو منها. هي بنت درعة، ودرعة معمل تحويل للبشر من سودان وعرب وأمازيغ، ومراكش أشبه بالدكان داخل المعمل، تباع فيه السلع بدوم رسوم.

وحين امتدت الغربه في الروح والجسد تحولت الحارة لتسع رقعة الوطن، وتلابست بالأم  فكانت العودة لطفل مكتهل. ولذلك فلدرعة أحكي.

 

لدرعة أحْـكِي

على ضَفَّتيك رعَيتُ الغَنَمْ ...زمــاااانا

وتِـهْتُ...مِــرااااراً

 وعُـــدتُ.

وسِـرتُ على حَصَواتِك حافي القدمين

ورأسي...

حَسيرٌ إلى شمسكَ والقمرْ،

على ضَفتيك يَطيبُ السمرْ.

فأين خُطاي؟

على ضفتيكَ تركتُ الكواكبَ تجْلو القمرْ

وأبحرت في سَحب راحل.

           أبيْن الشجر...أَبَيْنَ الأنام... (؟)

على ضفتَيك زماني وقَفْ .

... تركتُ صَـدايَ يَئِنُّ

     تركتُ صدايَ على ضفتيك يهيمْ

                            وراءَ حصان مضَى

                 يجُـرُّ العِـنان

      يلوكُ العطشْ.