هموم الكباش الكباشين

 

 

 

 محمد العمري     

أرسل هذا المقال إلى جريدة الإتحاد الاشتراكي أياما قليلة قبل عيد الأضحى 2008. ولعله لم ينشر

 

مع اقتراب عيد الأضحى تختلط أصوات الفقهاء والوعاظ بأصوات الأبناك وشركات السلف، الواعظ يحرض على سنة مؤكدة فيرفعها إلى أوجب الواجبات، مساهما في تعقيد وضع معقد أصلا بفعل العادة والنفاق الإجتماعي. والمقرضون يقدمون الكبش كالهدية مقابل أقساط تأكل من دخل المقترضين الهزيل على طول السنة، وتتدخل الشركات والمؤسسات التجارية فتجعل الكبش من نصيب محظوظ افتراضي، والكل يتمنى، تحت ضغط الأزمة، أن يكون ذلك المحظوظ. وهكذا تصبح شاشة تلفزتنا منصة يرقص فيها كبش الأضحية إلى جانب كبش دويدول، وفضاء ينزل فيه الكبش بالمظلات. حين يفتح سوق الكباش ويتحرك الكباشون تصبح الأسواق الأخرى ثانوية، يحُل عقل محلَّ عقل؛ لا صوت يعلو فوق صوت الكبش، ولا هَمَّ يسمو فوق هموم الكباشين والكباشات. ومع ذلك مازلنا نعتقد جازمين أننا خير أمة أخرجت للناس، أمة ستأكل يوم العيد لحما مرا ثمنه مقترض، بعد أن تلوث فضاء المدينة وتخنق المجاري. ومن لا "يبعبع" مع الكباش فهو علماني مدسوس؛ همه القدح في شعيرة إسلامية.

"علماء"! هكذا يسمون أنفسهم، يصيحون كالغربان بدون عقل، يصيحون على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة وصفحات الجرائد ومنابر المساجد منوهين بسنة إبراهيم، مرهبين من ترك سنة مؤكدة، متغزلين بالأقرن الأملح...حتى لاعبو القمار (التيرسي واللوطو) يحلمون بصوت مرتفع على مقاعد المقاهي، يحلمون بفوزٍ يخول لهم شراء كبش لا مثيل له. كبش القمار مثل كبش الفوائد البنكية سنة مؤكدة، هذه نتيجة خطاب ديني أعور.

حارس السيارات، مثل حارس المدرسة، مثل الخادمة الحاملة للعبء وحدها بلا معين، يستجدون ثمن شراء الكبش، وأبناؤهما ذاهبون للمدرسة شبه عراة قبل طلوع الشمس يرتعشون من قَـرِّ دسمبر. المتسولون في الشوارع يطلبون المساعدة من أجل قضاء السنة.

جمهور كبير من المستمعين بدون شغل يتبادلون جهلهم، أو يحكون محنهم، ويتندرون بطرائف جيرانهم ومعارفهم على أمواج الإذاعات الجهوية الخاصة، يفتى بعضهم بعضا، ويروي بعضهم عن بعض. في السن الماضية، يوم 18ـ12ـ2007 بالضبط، سمعت أن أسرة في الدار البيضاء باعت الثلاجة من أجل شراء الكبش، كما سمعت، في نفس اليوم، خبر كراء الكباش [في مصر هذه المرة] من أجل إسماع صوتها للجيران قبل إرجاعها إلى أصحابها. ومنذ سنوات قليلة علمت مباشرة أن عاملا باع دراجته النارية، التي مازال يؤدي أقساط ثمنها، من أجل كبش، فكان ذلك بداية متاعبه مع المشغل ومع زوجته، انتهت بالتوقيف والطلاق. وأخيرا نقرأ في الصحافة: "قاتل ابنة غفران كان يريد المال لشراء أضحية العيد". (الحياة الجديدة 27.ص3). ولا عجب في ذلك فنحن أمة منافقة من المحيط إلى المحيط؛ نحن أمة ضحكت من جهلها الأمم، منذ أكثر من ألف عام على الأقل.

أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو: لماذا لا تبادر الهيئات الإسلامية والجمعيات الدينية لرفع الحرج عن جمهور واسع من المواطنين ليس بوسعهم شراء الأضحية، بأي حال، خاصة وقد صار واضحا أن نمط الحياة في المدن اليوم، وطرق كسب العيش فيها، تجعل الضرر المترتب عن التضحية أعظم من إقامة الشعيرة نفسها: فهل الأضحية مقدَّمة على حفظ الصحة؟ هل الأضحية مقدَّمة على جاكيت لطفل يحرقه برد دسمبر ويعوقه عن التحصيل قبل أن يسبب له إعاقات مرضية، قد تكون مزمنة؟ هل الأضحية سنة بالنسبة لعامل لا يتقاضى ثمنها شهريا، وينهي شهوره دائما مستدينا؟ كيف يتحدث بعض ببغاوات الفتوى المزكومين عن جواز الاقتراض بالنسبة لهذه الفئة من العمال والمياومين وغيرهم ممن اصطلح حديثا على تسميتهم بالفئات الهشة. هؤلاء الذين يعيشون يوما بيوم أو أسبوعا بأسبوع أو شهرا بشهر في أحسن الأحوال؛ لا ينتظرون دخلا إضافيا من أي نوع، أمطرت السماء ماء أم حجرا.

والسؤال موجه بالأساس للأحزاب الإسلامية والجمعيات الدينية، وذلك على افتراض أنها تملك في أطرها من هو مؤهل للاجتهاد والمقارنة بين المنافع والمفاسد. أما الببغاوات المتصدية للخطبة عن غير علم بدين، ولا وعي بواقع، فلا يمكن أن ينتظر منها شيء في هذا المجال، لأن القضية قضية اجتهاد وجرأة. وقد سأل أحد المواطنين واحدا من هؤلاء العجزة عن جواز شراء الأضحية بالاقتراض البنكي، باعتباره الحل الوحيد المتبقي أمامه، فأجابه جوابا ملتبسا وقف به في منتصف الطريق، قائلا: "الربا حرام، والأضحية سنة مؤكدة، تكاد تكون واجبا، أوردها الله لأهميتها بعد الصلاة فقال: "فَصَلِّ لِرِبِّكَ وَانْحَرْ". اِبحثْ عّمَّن يقرضك بدون فوائد". إنه جواب تدليسي بمعنى الكلمة، ينطوي على جهل أو سوء نية.

قد يقال بأن المعني بتوضيح الأمور ورفع الحرج، في المقام الأول، هو وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومن ورائها الدولة بطبيعة الحال. خاصة وقد كانت الدولة قد اتخذت قرارا جريئا في هذى الصدد، بمنع الأضحية رأسا، في إحدى سنوات الجفاف، ووجد الفقهاء مخرجا شرعيا لذلك. فلماذا إذن لا تبادر وزارة الأوقاف لتوضيح الأمر في هذا المجال؟ الواقع أن الدولة ترى في التضحية فرصة لإعادة انتشار مالي، ولا يهمها ما يترتب عن ذلك من مآسٍ أو مظاهر غير حضارية، كما أنها تتلافى كل إشكال يثير عليها الزنابير العقيمة التي لا تحسن غير اللسع. وهكذا بقي الأمر معطلا بين ثلاثة أطراف: دولة انتهازية تفضل الحلول الترقيعية، وأحزاب وجمعيات منافقة تتمسك بالقشور، وشعب موغل في الجهل والتخلف يفضل الكبش على الأدوات المدرسية.