تعليق أولي على صياغة

مشروع الأرضية السياسية للمؤتمر السادس للاتحاد الاشتراكي

(قدمت هذه الملاحظات في اجتماع قطاع التعليم العالي بالمحمدية

لإغناء النقاش في الموضوع. وسلمت نسخة منها للجنة الصياغة للاستئناس)

محمد العمري

03/01/2001

 

تقويم عام

لا بد لكل محاولة للتعليق على المشروع السياسي للمؤتمر السادس للاتحاد الاشتراكي  من التمييز بين المحورين الأول والثالث، من جهة، والمحور الثاني، من جهة ثانية.

المحوران:  الأول والثالث تقويميان، يتناولان الماضي والحاضر والمستقبل، كما هو واضح من عنوانيهما: [1) المسار الأيديولوجي للحزب،  وتحولات المجال السياسي والاجتماعي 3) الوضع الراهن وآفاق العمل السياسي]. والقسم الثاني تنظيري: [الاختيار الاشتراكي والديمقراطي، في ظل التحولات العالمية والتطور الوطني].

وهما لا يتمايزان على مستوى الرؤية وحسبُ بلى يتمايزان عل مستوى اللغة والعبارة: ففي حين يتسم القسم التنظيري برؤية شمولية دقيقة، خاصة في نظره إلى تطور الفكر الاشتراكي بين قطبي الليبرالية المتوحشة والشيوعية المتحكمة، وفي صياغة علاقات معتدلة ومتوازنة مع الفرقاء والشركاء (وطنيا وإقليميا وقوميا وقاريا وعالميا)، وفي غير ذلك من القضايا التي سُدَّ فيها باب اللجاجة بحكمة. فإننا نلاحظ أن التقويم سدَّ عينا وفتع عينا! فبدا قسمُه الأول (بالنسبة لملاحظ مثلي عاش تاريخ الاتحاد من أوله إلى آخره (غيرِ متحيِّز لفئة ولا متحرِّف لقتال) وكأنهُ قراءة خاصة لِ "حساسية" خاصة. وهذا لا يتناسب مع سياق المؤتمر السادس "مؤتمر كل الاتحاديين". وسنذكر بعده بعض المواد التي تُعيد التوازن، وترمِّم الذاكرة إذا كانت هناك رغبة في التواصل. أما المحور الثالث فتشوب بعض فقراته هموم الموقع الوزاري: يبدو كاستفتاء في غير وقته. وسنعطي أمثلة لذلك. وعموما فلا يمكن اعتبار القسم التقويمي أرضيةً جماعية، وإن كان لا بد من ذلك فهو مفردٌ بصيغة الجمع، سمعناه من مصدره منذ سنتين على الأقل!

ومن حيث اللغة والعبارة ففي الوقت الذي لا يكاد المرء يضع القلم في أغلب أجزاء المحور التنظيري إلا من أجل تصحيح خطأ نحوي أو تقويم تركيب يمكن تجاوزه، نجد القسم التقويمي مكتوبا بلغةِ خطابٍ شفوي ركيك مليء يالأخطاء من كل جنس. وسنأتي بعده بأمثلة.

- أ -

اقتراحات لترميم القسم الأول:

"المسار الأيديولوجي للحزب وتحولات المجال السياسي والاجتماعي"

ليس من المتوقع أن يتضمن مشروع تذكيري، في عدة أوراق، كل تفاصيل تاريخ حزب بحجم اتحاد القوات الشعبية. غير أن الاختزال يقتضي التوازن  والتمثيلية وتلافي الألفاظ والعبارات المثير للجدل.

بناء عليه سيُلاحظ المُتتبع لتطور الصراع غيابَ عدة أطراف وعوامل:

1 - الوضع الدولي والقومي وحركة تحرر الشعوب. وبغياب هذا البعد لم يرد ذكر المهدي بن بركة مثلا.

2 - تعقُّد المسألة التنظيمية نتيجة واقع الاغتراب الناتج عن شراسة القمع. وما أدى إليه ذلك من تضارب القرارات وشعور بالحاجة إلى توحيد مصدر القرار ابتداء من منتصف السبعينات. ومن الطبيعي أن يكون هذا السعي إلى توحيد مصدر القرار محل أخذ ورد.

3 - ظهور تيار من اليسار  الماركسي من صفوف الحزب في سياق معقد: حزبي وطني قومي كوني. وقد كانت الإغراءات الظرفية أقوى من كل الحجج ومحاولات الإقناع.

4 - وضع تنظيمات الإسلام السياسي الطارئة في الساحة المغربية نفسَها في صف خصوم التوجه الجديد للاتحاد نحو الوضوح الأيديولوجي والعمل الديمقراطي في إطار المؤسسات.  وقد دُشِّن هذا التواجد بجريمة شنعاء تمثلت في اغتيال الشهيد عمر بن جلون.

5 - دور العمل النقابي (والجمعوي عامة) في سدِّ الفراغ السياسي في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. وقد كان القمع الشرس الذي تعرضت له الشغيلة التعليمية امتحانا لمدى صلابة البُعد الجماهيري للحزب. (الماد6. ص7).

6 - التوجه إلى النضال في إطار حقوق الإنسان استفادة من التوجه العالمي في هذا المجال، ومن رصيد الحزب من الكفاءات في المجال الحقوقي والفكري طوال الثمانينات والتسعينات.

- ب -

ضرورة تدقيق العبارة

والتحدث من موقع "الحزب"

تمهيدا لمؤتمر لكل الاتحاديين يظهر أن هناك حاجة إلى استعمال عبارة تدل على الإشراف العام على الموضوع بما فيه تاريخ الحزب واختياراته المستقبلية. وتبدو المسألة أحيانا وكأنه لغوية تعبيرية، وهي في الواقع انحياز، عن وعي أو غير وعي، إلى تصور أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه غيرُ مستوعِبٍ. من أمثلة ذلك:

1 - "...واستحكمت حلقات القمع والعنف مما دفع عددا من المناضلين إلى رفع أصواتهم بضرورة الإفاقة من أوهام التغيير الكاسح المندلع من شرارات المواجهة الخفية والعلنية، والانخراط في مشروع سياسي واضح...". (ص 3).

لفظ "عدد" لفظ غامض، والأولى استعمال عباررات  دالة على التولُّد من المسار، منقبيل:  "توجه"، اختيار" ...:  "بدأ يتبلور توجه.." أو "تبلور توجه". وبذلك لا نكون في حاجة  إلى الحديث عن "الأوهام" و "الإفاقة"، وغيرهما من الأفاظ التي قد نستعملها في خطبنا الشفوية بحضور الأطراف المعنية في اللحظة الحية لتغيير موقف آني. إن استعمال هذه الألفاظ الانفعالية يدل على استمرار الانفعال بالماضي، والحال أنه موضوع تأمل.

ومثلها في انعدام الدقة والحياد كلمات: " الفورة" ، "ترسبات الماضي" (ص6). وكذا عبارة "الرومانسية الثورية". إذ يبدو الأمر وكأنه تنديد آني، وإدانة حالية، لجهة لصالح جهة أخرى كانت واقعية لا شأن لها بالرومانسيين الواهمين.

وتلافيا لهذا اللبس المثير ، وسعيا إلى أن يجد كل الاتحاديين أنفسهم في هذا التقرير فمن الموضوعي أن يُتحدث عن الماضي باسم الجميع، مع إمكان الحديث عن وجود اجتهادات وتيارات  وربما تجاوزات حسب المراحل المعقدة التي مر منها الحزب. وفي غير هذا يبقى المؤتمر سيدَ نفسه؛ هو الذي يُعطي ويأخذ. اتمنى ألا نقع في سيكولوجية "أهل البيت" بعد موت الرسول: كنتم ضلالا فهداكم الله بنا! "فأنتم فَيْؤُنا".

2 ـ من العبارات الدالة على إمكان فصل الحزب تخيل إمكان فصل الحزب عن مكوناته هذه الجملة: "...كما كان ذلك بعد مرور فترة الستينات التي كانت مفتوحة لتيارات متقاطعة اخترقت الحزب". (المادة 2 ص3).

تفترض هذه العبارة أن الحزب قائم قبل هذه التيارات وفي انفصال عنها. وفي هذا وهم؛ إذ يخيل إلى كاتبه وجودُ جوهر أزلي للحزب شوشت عليه تلك التيارات قبل أن يُعاد إليه صفاؤه في هذا الزمن. والحال أن الحزب في ذلك الزمن غير مخترق بتلك التيارات بل متكون منها.

وكلمة "اختراق" المترددة في أماكن متعددة من التقويم تنتمي إلى معجم انتهى زمانه، زمن المخابرات والتنظيمات السرية والمكايد. فقد استعملت في أماكن تتطلب ثقافةُ الحوار استبدالها بألفاظ من قبيل: التكامل والاتصال والحضور والتفاعل...الخ ففي المادة 10 (ص10): "لقد اخترقت المؤتمر ردود فعل غير منتظرة". والمقصود حدوث تطور إيجابي في اتجاه الشفافية، لا تؤديه كلمة اختراق.

وبدل الحديث عن "تكسير حواجز الإجماع والثقة العمياء"، يحسنُ استعمالُ عبارة واصفة وأكثرِ حيادا من قبيل: "الانتقال من الإجماع المبني على التراضي  إلى الحسم بالنقاش الصريح والاقتراع السري".

الموقع الحكومي

توحي بعض عبارات المحور  الثالث وكأنها صيغت للدفاع عم المشاركة في حكومة التناوب من موقع الحكومة، والحال أنه لم تكن هناك حاجة لهذا الموقع مادان الأمر يتعلق بقرار حزبي مدعوم بأوسع فئات الشعب المغربي التي تشبثت بالأمل  وما تزال.

بناء عليه فلا حاجة لاستعمال عبارة من قبيل: "هذا اللبس الذي يتخذ صبغة بريئة لدى بعضنا، ومغرضة لدى كثير من خصومنا" (المادة 57. ص 40). فالجمع بين "بعضنا" و"خصومنا" غير مناسب لأنه يوحي بأن الفرق الوحيد بين "إخواننا" الذين يشاطروننا الحلو والمر وبين الخصوم هو وجود القناع عند "بعضنا" وغيابه عند الخصوم، فكأن بعضنا مجرد طابور خامس. والأجدر من ذلك أن نحسن الظن ببعضنا، ونلتمس العذر، في تعقد المرحلة والتباسها فعلا، وتكرر الخيبات.

المجازفة بأحكام بدون ضمانات

القول بأن "الأجهزة" (كذا) "لن تستطيع اليوم القيام بنفس التجربة ... (أي) "تكليف" أحزاب مطبوخة بتنظيم صفوف المعارضة". (ص43).

قد يكون هذا الكلام مقبولاً في تصريح لوزير من الوزراء من موقعه في المنظومة الحكومية، يعبر بذلك عن أمل من جهة، ويحذر "حليمة" من جهة ثانية. ولكنه غير مبرر من موقع الحزب، وفي مشروع بيان سياسي يصدر عن مؤتمرٍ لكل الاتحاديين. لا مبرر للتوقيع على بياض في مجال التفاوض، والذي تمارسه حكومة التناوب هو شكل من أشكال التفاوض من أجل توسيع مساحة تحديث مؤسسات مخزنية تعودت على أن تأخذ ولا تعطي، وُصَنِّع ولا تُصَنَّع، توسيعا يسير طردا مع إرادة الطرف الآخر  في الانتماء إلى ثقافة العصر الحديث.

ولا بد لمن يوجد في هذا البرزخ أن يصون لسانه، ويمي ظهره. وبمناسبة حماية الظهر يمكن القول بأن كل مفاوض حمامة وراءها صقر، ومن أضاع صقره تحول إلى حمام زاجل في أحسن الأحوال.

المثقفون في ترتيب القوات الشعبية

انطلاقا من اعتبار الحزب” حزبا حقيقيا للجماهير"؟  وجهت الدعوة إلى كل المغاربة مرتبين على الشكل التالي: "عمالا، نساء شبابا، أطرا ومقاولين، فلاحين وموظفين، تجارا وذوي مهن حرة، عاطلين ومبدعين ومثقفين، وجميع الذين يشاطروننا قيمنا ومشروعنا...". ص47. ومثله في 33).

يلاحظ أولا أن المثقفين الذين كانوا على رأس القائمة في تأسيس الحزب في بدايته، شدوا  أزره - منتمين وعاطفين - وسَدوا رمقه في أزماته الخانقة، حتى قيل أحيانا عنه إنه حزب المعلمين والمحامين، قد صاروا الآن في آخر القائمة في الصف العاشر أو الثاني عشر. ويلاحظ، ثانيا، أن الفئة التي ضُموا إليها بين فاصلتين هي: فئة العاطلين (التي أضيف إليها المبدعون أيضا)!!!

إننا لسنا هنا بصدد خطبة شفوية في مناسبة خاصة، بل نحن بإزاء عقد عمل للمستقبل! لا يسعدنا أن يكون الإبداع والثقافة آخرَ حلفاء حزبنا، وأدنى اهتماماته. والغريب أننا نقرأ في المحور التنظيري نفسه فقرة رائعة تتحدث عن النزيف الذي تتعرض له أحزاب اشتراكية "فقدت كثيرا من مثقفيها - فيما يشبه النزيف - حيث حاصرهم فكر نمطي يرفض فتح باب الاجتهاد، ويعادي كل أشكال الإبداع والاختلاف". (ص 21).

- ج -

انعدام الدقة

نظرا إلى أن التقرير صادر عن هيئة سياسية عريقة اشتهرت باستقطاب النخبة المتضلعة في العربية وغير العربية فسيفسر وجود خطايا اللغة والتعبير وأخطاءَهما بالاستخفاف، في أحسن الأحوال. ولا  ألوم الإخوة الذين حرروا المشروع، فليس من المفروض أن يكونوا على علم بدقائق اللغة وتعابيرها، بل المسألة تنظيمية. ونظرا إلى أن الأمر يتطلب تدقيقا شاملا سأكتفي بأمثلة يُعلَ منها المقصود. وأنا متيقن أن هناك من سيقول: "هذه قضايا شكلية"! ولكني متيقن مطلق اليقين أيضا أنه نفسُ الشخص الذي يصنف الناس إلى مثقفين وعوام غير صالحين للاستعمال  بسحب الأخطاء التي يرتكبونها حين يتعلق الأمر باللغة الفرنسية.

الحشو (أمثلة):

- "ومَردُّ هذه الأسئلة يرجع بالأساس..."(ص42). فالَمَردُّ هو المَرجعُ.

.- العمل السياسي فضاء للعقل وللأفكار أيضا". (ص32). إن استعمال "أيضا" هنا ينزع عن "الأفكار" معنى التأكيد للعقل، ويجعلها مغايرة له ولعمله.

انعدام الدقة:

مثال(1):

"إن المسار السياسي الذي أدى إلى التناوب لم يخل من فراغات مقلقة، أهمها عدم سلامة الانتخابات..." (ص42).

 والواقع أن الأمر لا يتعلق "بفراغات" بل ب"عوائق". فالحديث عن الفراغات يوهم أن هناك وقائع طارئة لم تُشمل بعدُ بالقانون، ويكفي أن نعبر عن الرغبة والحزم لتجاوزها، والحال أن الأمر يتعلق ، في جانب منه، بسياسة إفساد مقصودة ومحمية، كما يفهم من الأمثلة التي ضربت هناك. ومن هنا لا يكفي نعتها ب"المقلقة”  بل ب"المُعيقة". فالقلق هو إحساسنا إزاءها، أما فعلها هي فهو الإعاقة.

مثال (2):

- استعمال لفظ "الزوايا" للتعبير عن الأحزاب "المصنوعة" من طرف وزارة الداخلية في هذا الاستعمال إهانة للتراث المغربي. قد يصح إطلاق مفهوم الزاوية على حزب وطني تحول من الصراع الفكري إلى الولاء لشيوخ محترمين كان لهم عطاء وموقع احترام، ثم  تحول مع الجمود إلى "شياخة" و"مريدية"، وهذا موجود فعلا في المغرب.

وهناك أخطاء نحوية لا أود تتبعها، والواجب ألا تتسرب إلى تقرير في هذا المستوى.

 

د -  قضايا كبرى لم تلق عناية

1 - الفصل بين السلطة والمال العمومي.

نعتقد أن لا سبيل إلى إصلاح حال الدولة ولا الحزب دون وضع ضوابط تنظيمية وقانونية  صريحة  تضبط العلاقة بين المنصب السياسي والمال العمومي. فمادام المنصب يعطي الفرص والحماية وما دام الجمع بين الوظائف ساريا، وما دام التصريح بالممتلكات إجراء شكليا، فسيستمر التسابق إلى المناصب، والقتال من أجل البقاء فيها، بكل الوسائل. لا أتصور أن يُسير "مناضل" مخلص حي الضمير مجلسا بلديا، ويقوم في الوقت نفسه بالتمثيل البرلماني! لا بد أن  يضحي بأحدهما. بل الأدهى من ذلك أن إحدى المهمتين تذبح من أجل الوصول إلى الأخرى، كما عرفنا بالمعاينة.

2 - تدقيق العلاقة بين المسؤولية الحكومية والإشراف على صحافة الحزب

ولو اقتضى الأمر مرحلةً انتقالية يُسير الإعلام الحزبي فيها من طرف مجلس يفوِّض التسيير اليومي لمحرر مقتدر ويراقبه. لقد عرفت صحافة الحزب أخيرا ما يشبه الخوصصة وتفويت الصفحات والملفات للأفراد، حتى صار من المتعذر تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والتفريق بين الحزبي والمستقل المتوسل بالإثارة.

3 - توصيف الوضع الراهن

من ذلك الأمية والفقر، والأسباب.....الخ

4 ـ التأكيد على السلوك الحداثي

والابتعاد عن لغة وسلوك زمان.......الخ

آمل أن يتعامل مع هذه الملاحظات من موقع الغيرة على وحدة الحزب وقوته. أما من وجد فيه نفسه حبا وتِبناً، ولم يجد فيما أشرنا إليه من نقائص ما يثير الاهتمام، فله اختياره، لانحسدُه عليه.