مَخاضٌ جديد

أم مِحنٌ جديدة

 حول  ا لحلبة والمتصارعين

 

 كتب هذا المقال (ـ بل بدأت كتابته ومازال مفتوحا ... ـ) بعد الانتخابات المزورة التي سبقت تشكيل حكومة التناوب، وما تقدم تلك الانتخابات وصاحبها من انقسامات في صفوف أحزاب اليسار (التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل)، ثم ما سبقها وما تلاها من تأزم الأوضاع بين مكونات الاتحاد الاشتراكي.

 

1ـ الحلبة

يتساءل المرء، بعد الانتخابات الأخيرة، هل نحن بإزاء عطب من جملة الأعطاب العارضة غير المتوقعة من حيث الحجم، أم نحن بصدد عمل منهجي مدروس و مُـنْـتَهٍ: كل القَرائن تدل على أن الاحتمال الأول مستبعد. و كل ما أفرزته التجربة الحالية هو مصطلح جديد “الحياد السلبي”. وهو ترجمة متأدبة لتخلي الدولة عن جزء من مهامها العادية في محاربة الرشوة، والبيع والشراء في الذمم. و ليس هذا ما يؤرقني فعلا ولا ما يثبط همتي؛ لأن التاريخ مليئ بأمثلة تفويت الأنظمة في لحظات تاريخية محرجة جزءً من مهامها للقطاع الاجتماعي أو المجتمع المدني ليصرفها تحت عناوين إيجابية: الحياد والحرية ...الخ، هذا إذا لم تفوض للأيدي السوداء!

الذي يؤرق هو ما وصل إليه الوضع الاجتماعي عندنا من قابلية للسير في هذا الطريق. من مبتذلات القول في هذا المجال أن “لا ديموقراطية مع الفقر”. و من مأثور الحديث “كاد الفقر أن يكون كفرا”، و لكن هذا ليس كافيا وحده لتفسير ما حدث. لابد من الحديث أيضا عن الفقر الفكري و الأخلاقي. و لا غرابة، و لا عنف في هذا الخطاب فموقعنا من حيث الأمية يؤهلنا للذي وقع، و موقعنا في الترتيب العالمي من حيث النمو الاجتماعي العام في التعليم و الصحة والخدمات لم يعد سرا من أسرار الدولة. أما المثل أو الشعار العربي القديم: “تجوع الحرة و لا تأكل من ثديها”، فقد صار من المتاع القديم المهجور.

لاشك أن كل فئة من الفئات المتصارعة داخل الأحزاب الديموقراطية و شبه الديموقراطية ستجد في الذي وقع حجة لدعم جهة نظرها، فالذي رفض اللعبة أو شكك فيها سيقول من جملة ما سيقوله: “هذا ما كنا نخشاه!”هاأنتم وقعتم فيه، و الذي سايرها و استأنس خيرا سيقول: “هاهي الأمور تتكشف، و هاهي ساحة النضال الحقيقية و المهام المضنية...الخ”

2 ـ المتصارعون

ويتساءل المرء الآن هل هذا الاختلاف في صفوف الديموقراطيين وشبه الديموقراطيين اختلاف في الوسيلة، أم هو اختلاف في الأهداف نفسها؟

هل هذا الجفاء الذي وصل إلى حد الشروخ المستعصية على العلاج أمر حتمي؛ أي يقتضيه التحول إلى الأمام، أم هو مجرد دورة في فراغ تنحط في بعض صورها إلى صراع مصالح أو سيكولوجيات حيث صار عندنا أشخاص يثيرون بوجودهم الفيزيولوجي حساسيات، بل يثيرونها حتى بأجراس أصوات أسمائهم؛ فتلاحظ التقزز على وجوه البعض من مجرد ذكر أسماء شركاء الأمس. وهذا أمر غريب في مجال السياسة إذا ما تعدى الإيهام الخطابي إلى السلوك اليومي للمناضلين.

إن الذاكرة تعود بي هنا إلى أجواء نهاية الستينات وبداية السبعينات حين انفصل مجموعة من المناضلين من صفوف حزبي التحرر والاشتراكية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية في إطار المد الماركسي؛ وكنت من ذلك البعض أو من غواته. الذي يشغلني الآن، وأنا على مسافة بعيدة جدا؛ فكريا ونفسيا من تلك المرحلة هوحصة الوهم والغرور والحساسيات، ودور الخطابة وقمع الشعارات: الخوف من وصمة الإصلاحية والرجعية ...

أذكر شخصيا أني كنت أستهجن تنقيص "الإصلاح" والإصلاحيين، لأن ثقافتي الأولى تجعل الإصلاح نقيض الإفساد. وعندما صارحت أحد زملائي بذلك اتهمني بالجهل، وكاد يشيع أنني إصلاحي، وكنت مضطرا لإقامة الحجة تلو الحجة أنني غير ذلك. ولكني إلى الآن لا أترجم REFOMISTE بإصلاحي بل بترقيعي. لم أفهم لماذا منع علال الفاسي ـ رحمه الله ـ من الحديث في الجامعة بفاس؟ لم أستسغ أبدا رفض الاستماع إليه ولكن وقع.

ولم ينفع عمر بن جلون، رحمه الله، (وهو يحاور طلبة كلية الآداب بفاس في قاعة فلسطين) اعتماد التحليل العلمي، ولا الدعوة إلى صناعة وطنية تتشكل في إطارها طبقة بروليتارية ثورية، ولا انتقاده للسياسة الفلاحية والسياحية للدولة، لم ينفعه شيء من ذلك! لأن مجموعة من الطلبة كانوا يحفظون عن ظهر قلب مؤلفات لينين ويستظهرونها، وعندما طرحت قضية التحالف مع الرجعيين قال رحمه الله :أنظرونا إلى الصيف المقبل وستسمعون الجديد، كنت أستمع إلى الرجل وأحس الصدق من ذبذبات صوته، ولكن الفتنة أشد من القتل. ولست أدري هل كان الأستاذ الخصاصي الذي كان مرافقا وقتها (أوائل السبعينات) للشهيد يعلم بالمولود الذي كان الصيف موعدا لوضعه ؟

هل ما نزال اليوم في حاجة إلى منطق نهاية الستينات وبداية السبعينات، موجة فوق موجة؟

يمكن المرء أن يعمم ويبسط مراهنا على الإمساك بالخيوط كلها ـ وقد يضيعها كلها. استسمح منظري الحياة السياسية بالمغرب، والمحللين والعارفين بخبايا الأمور، أن أجترئ وأنظر إلى واقعنا من السطح ـ ومبرر جرأتي  أن أحدا لم "يُطفِّره" في هذا الباب. أقول:

 يبدو أننا نحس بالحاجة إلى سلخ جلودنا مرة كل عشر سنوات كما تفسخ الحيات موسما بعد موسم:

(1959 ـ 1962)،   (1969ـ1970)   ، (1979ـ1980) ،

 (1989ـ1990 )،       (1996ـ1997).

يبدو هنا أن التاريخ الوحيد الذي قد يتطلب توضيحا هو (1989؛1990) ويمثل قمة مد التنظيمات الإسلامية التي كانت تطمح إلى أن تكون بديلا للجميع فأوقفت، مبدئيا، عملية التوالد داخل اليسار المنهك، أما التواريخ الأخرى فتشير إلى: الاستقلال-الاتحاد الوطني للقوات الشعبية-الجبهة الماركسية ثم الاتحاد الاشتراكي، الطليعة المنظمة، الاشتراكي الديموقراطي و جبهة الديموقراطية (و الله يحد الباس).

بقطع النظر عن الخطط الحزبية الخاصة فإن العمل السياسي في المغرب أخذ طوابع مختلفة أو غلبت عليه هموم و منهجيات ذات طبيعة عقدية: 

فإذا كانت الخمسينات سنوات العمل من أجل ترسيخ الاستقلال فإن الستينات كانت سنوات القطيعة و العمل الانقلابي الذي امتدت نتائجه إلى بداية السبعينات، في حين كانت سنوات حلم الثورة الجماهيرية على أسس ماركسية، سنوات يمكن وصفها بما وصف به أحد الخطباء الأمويين الصراع بين الفرقاء في عصره: سنوات أكل فيها اللحم لحما، و قُرع العظم بالعظم، و امتدت ويلاتها إلى أوائل الثمانينات، أما الثمانينات فكانت سنوات التخبط و اختلاط الأوراق و محاولة تضميد الجراح عن شعار حقوق الإنسان، يمكن القول بأن الثمانينات كانت على العموم سنوات حقوق الإنسان، وأعطت ثمارا ملموسة إلى حدود السنوات الأولى من التسعينات.

أعتقد أن تحديد طبيعة المرحلة الراهنة أمر خلافي؛ لأنها لم تكتمل بعد وهي رهينة بالسؤال الذي طرحناه في البداية هل الانتخابات الحالية سلوك أم عطب؟

و ما دمنا لا نتحكم في الجواب، وإخلاصا للمبدأ النضالي العام للديموقراطيين و أشباههم فإن المهمة واحدة في نظري: الصراع من أجل محاربة الأمية الفكرية و الأخلاقية بمواكبة محو الأمية العلمية: الكتابة و القراءة.

إن محاربة الأمية الفكرية تتطلب وعيا سياسيا يحول المواطن من "شيء" مغمور في يومه إلى إنسان يرى يومه في مستقبل بلده؛ إلى مواطن يدرك، على أقل تقدير، أنه أسمى من البهيمة التي ترى العُشب ولا ترى "الحافة" (أي الهاوية)، كما يقول المثل. يعلم أن الشخص الذي يشتري صوته لا يمكن أن يحترمه. ولا يمكن أن يكون موضعَ ثقة من لا يشعر بثقل الأمانة التي وضعت في يده عندما فوض له تقريرَ مصير وطن، وطن ما كان ليحلم بالحرية فيه لو عمل أسلافه بمنطق الرشوة و خيانة الأمانة... إني لأعجب كيف خاض الديموقراطيون الحملة الانتخابية الماضية(؟) لقد تناسوا بشكل منهجي خطير الطابع الوطني للانتخابات، وكونها سترهن إحدى غرف البرلمان التي سترهن بدورها غرفته الأخرى. لقد عم الحديث عن المجاري والمستنقعات وغاب الحديث عن القضايا الوطنية الكبرى، وعن المسار التاريخي للنضال.

الخرجة (وقد تكون عامية كما في الموشحات)

أما بعد، فيظهر أن سبب البلاء في المغرب هو الإصرار على التمييز بين ثلاث فئات من المناضلين، هناك: ا ب ج: فئة (أ) جالسة على باب "الفران" الحزبي(وهو يطل ـ في المغرب تحديدا ـ على باب فران "المخزن") حيث الحرارة والخبز، تقضي أكثر وقتها في العبث بسبحة مفاتيح الغيب والشهادة التي تمسك بها. وفئة (ب)، وهي التي تجمع الحطب، وتنكس الفرناتشي من الرماد، ثم تحبط حين ترد عن الاقتراب من الأبواب. وفئة (ج)، وأنا أعتبر نفسي دائما من هذه الفئة، وهي فئة لا تحسن السباحة في "المجال"؛ لا تنظيرا و لا تطبيقا (لا شيفور ولا كرسون). ترقب وتدعم المسار الذي ينسجم مع توجهها الوطني والفكري من خلال العمل الثقافي والنقابي، وعندما يدلهم الجو تنصرف لحال سبيلها إلى الظل مكلومة لممارسة شيء من النميمة البريئة أحيانا. الفئتان الأخريان هما الفاعلتان في الساحة: فئة المُثل وفئة "الواقعية"؛ الذين دخلوا الخيمة، وسخنوا أماكنهم، والذين عليهم أن يبحثوا عن خيمة أخرى في ارض الله الواسعة، في أحسن الأحوال.

أليست هناك طريقة أخرى لتدبير الرصيد المشترك؟