تتكون أشواق درعية من ستة أبواب:

1ـ باب الربوع والديار

2 ـ باب الأزمنة وتقلبات الأيام

3 ـ باب فصل المقال فيما بين الحيوان والإنسان من اتصال

4 ـ باب الخروج

5 ـ باب الحكمة الخفية في تحويل قصور الكلاوي إلى  مدارس دينية

6 ـ باب المراثي: الأم.

---

نضع بين يدي القارئ الصفحات المدخلية من الأشواق لعلها تغريه بمتابعة الرحلة.

---

محمد العمري

 

 

 

 

أشواق درعيَّة

 

 العودة إلى الحارة

 

---

 

ـ 1 ـ

باب الربوع والديار

 

 

دهشة المكان

 

للمكان وجود في دهشة الطفولة،

مكان الطفولة ألوان وأشكال وأصوات وعبير وخلجات.

 كل طفولة سجل جديد للمكان،

 كل طفولة تثبيت للزمان  في  مكان.

بئيس ذلك السياسي الذي سمعتُه يوما يقول:

 "ومرت طفولتنا  في الحي الفلاني كما تمر كل طفولة!"

 

 

1


 ـ باب الربوع والديار

 

 

 

 

 

 

 

1 ـ "الحارة"

استرجاع


 

 

*******************************************

 

 

 

 

 

 

 

 

...صدقني أنت، أنت الذي لم تسمع مناجاة النخيل في عنان السماء، يحركها "الهَوَى" فتتمايل طربا حتى تتلامس خصلات جريدها

استيقظ في عمق الليالي فأسمع الأصوات بين اليقظة والمنام،

تعاتبني الجدران،

 تعاتبني أشجار التين والنخيل والرمان،

 تحولتْ في ريعان الشباب إلى يباب.

 

 

---

"الحارة" التي تململَتِ الآن في الأعماق، فانتشرت على ما يأتي من أوراقٍٍ وصفحات، قريةٌ صغيرة على الضفة الشمالية لنهر درعة؛ كانت مقر مشيخة "أهل الوسط" من سكورة. يجدها المسافر من ورزازات إلى سكورة نحو الشرق على بعد بضعٍ وعشرين كيلومتررا..

خرجَتْ يوما كعروس من مياه درعة، نشرت لحائفها  الخضراء تتنشف تحت أشعة سماء صافية، وهبَّات رياح جبلية، فنسيَت نفسها قرونا، إلى أن ضجت حولها الآليات الحديدية، وعكر الديناميت نومها، فعادت إلى عمق البحيرة.

 انفتح لي ذراعاها قبيل منتضف هذا القرن، وحضنت طفولتي كلها، واستقبلت بالأفراح أجملَ لحظات شبابي، ثم غابت تحت مياه بحيرة سد المنصور الذهبي.

حين جئت لزيارة الأهل من شمال جبال الأطلس أوائل العقد السابع. اكتشفت أننا صرنا، بالخروج منها، مجرد رقم من الأرقام ضمن تجمع سكني حُشر فيه سكان الحارة والقرى المجاورة. حُشروا عشوائيا في مخيمات كما يحشر ضحايا حرب، أو كارثة طبيعية. لا حرارة، لاذاكرة، أرضُ المخيمات باردة..هكذا ينتقل الإنسان من الوجود إلى الانتظـــــــار...

أخذ ذلك التجمع الجديد اسمَه من الموقع الذي أقيم عليه: إدلسان. وحين فكر الناس في العلاقة بين هذا الموقع الأجرب المملح، وما صار إليه حالهم من ضياع قالوا: "أهل إدلسان والو مادلسان"، أبي: أهل إدلسان عراة. 

كانت الحارة تبعد عن فاس بأكثر من ستمائة كيلومتر، وتقترب من مراكش بأقل من نصف هذه المسافة. الحارة كَـ مراكش: بنتُ السهل ربيبةُ الجبل، عربية اللسان شلحية اللكنة والمعجم، إفريقية الهوى والألوان، إلا أنها تستعير الرقص والغناء موسما بعدَ موسم. حين زرت مراكش أواخر الخمسينات وجدت فيها جميع العينات من الرجال والنساء الذين تركتهم في الحارة. الشيء الوحيد الذي انطلى علي هو غلبة المجاز على الحقيقة، ولذلك خسرت في لعبة القمار أضعاف ما طمعت في ربحه.

هل مراكش هي التي عبرت من الحارة إلى السودان، أمِ السودانُ عبَـرْ؟

استطرد الحديث يوما مع الأستاذ السوداني عمر موسى إلى الشبه بين سكان درعة وصولا إلى مراكش وبين سكان السودان؛ في الألوان والأزياء واللكنة وأشياء أخرى، ففاجأني بقصيدة أوحت إليه بها زيارته لمراكش، بقي على ذكري منها قوله:

مراكش! أنت بنت السودان،    أم الســـودان منــك خــــرج؟

من الأكيد، على كل حال، أن قافلة الحسن الوزان إلى تومبوكتو قد عبرت قريبا من الحارة. كما عبرت منها قوافل وحركات من مراكش إلى سجلماسة.

عندما داهمت مياهُ سد المنصور الذهبي الجدران الطينية التي كانت تخفي الأسرار التفصيلية القليلة لحياة تبدو بدون أسرار، وعندما اُقْتُلِعَت أشجارُها بالجرافات الصماء، واُقتلعتْ أخشاب سطوح بيوتها بالفؤوس والديناميت... وحَمل من شاء رفاث موتاه يواريه الأرضَ اليباب. مررت هناك كأي سائح عابر. لم أعبأ بأحد ولم يعبأ بي أحد.

كان "الملاكون" منشغلين بالملاليم القليلة التي فُرضت عليهم مقابلَ الخروج من جنتهم إلى الأبد، مقابل أن يموتوا هم الآخرون. قال أحدهم: هذه أول مرة تأخذون من المخزن، تأخذون فلوسا جديدة. فأكمل الآخر: نعم جديدة.. تذبح!  وكان غير الملاكين من فئات كثيرة تعمل بالشراكة والأجرة، أو تعيش من عطاءٍ غيرِ مَمنونٍ، تنظر إلى السماء فتميد الأرض من تحت أقدامها، لا تدري أين تولي وجهها.

التقينا في إدلسان، بعد غياب الحارة، كما يلتقي الناجون من الغرق على شط البحر بعد تحطُّم سفينتهم بين أمواج عاتية. قال الوالد مداريا الموقف: "وصولكم عيد، لابد أن نَذبحْ... عيَّدْنا مع الناس للسُّنة، وجاء وقت الفرح"، وشمر عن ساعدَين برَزتْ عروقهما من وراء جلد رقيق متلاشٍ، لم يطلب مساعدة أحد.. يَلهث حتى تتقطع أنفاسه ولا يبالي: الخبرة موجودة و"الجهد" قليل.

في صباح اليوم الموالي لوصولنا بدأ الحديث عن الحارة، عن زيارة الحارة...والمقصود أطلال الحارة، وذكريات الحارة، ومحيط الحارة ومعالمها. نقف هناك جميعا في كل سنة كما يقف الأقارب على قبر عزيز كلما أتيح اللقاء.

 واليوم بعد أكثر من ربع قرن من غياب الحارة تحت مياه السد تضج في أعماقي لياليها ونهاراتُها، صيفُها وشتاؤها، يتردد في كهوف جمجمتي، في كُل أصقاع كياني ثُغاءَ حملانها، "وصهيل" حميرها، وصرير أبوابها المشرعة دوما تعبثُ بها رياحٌ مِلحاح، تكسرتِ البوصلة وضاع الملاح.

 صدقني أنت الذي لم تشرب مياه درعة ولا تنشفتَ برمال واديـها. صدقني أنت الذي لم تسمع مناجاة النخيل في عنان السماء، يحركه "الهَوَى" فيتمايل طربا حتى تتلامس خصلاته ثم يتباعد قليلا ثم يعود. 

استيقظ في عمق الليالي فأسمع الأصوات بين اليقظة والمنام،

تعاتبني الجدران،

 تعاتبني أشجار التين والنخيل والرمان،

 تحولتْ في ريعان الشباب إلى يباب.

استرجع الشريط الجغرافي للحارة؛ أرى تعرجاتِ طرقها؛ بعرض الشبر والشبرين، تفلت متسللة بين حقولٍ كالمناديل الصغيرة، فأسمع القادم يقول للرائح، و الرائح يقول للقادم: وسِّعْ وسِّعْ. الخاوي يَخوي الطريق.

 وأتوقف، أسأل نفسي في صمت: أين ضاعت هذه الحكمة؟ ما عاد الخاوي يترك مكانا للعامر. ثم أعود ببصري لأرى العِدلين فوق ظهر الحمار رُصَّت فوقهما العراجين المكتنزة بَلَحاً أحمر وأصفر أسمع المنادي: "كولوا التمر كلوا التمر" عيب ألا تجيب ، مُدَّ يدك وخُذْ ولو تمرة واحدة؛ لكل تمر مذاقة وموقعه، لكل تمر رائحته وطيبه.

في ليل شتائك الأصفر،

 في توهج صيفك الأحمر،

 كنتِ الدفْءَ، كنت الأمان، كنت الظَّهر،

 فأين أنت!

تِهتُ خمسة عقود، وها أنا أعود... إليك ؛ استحم ...بذكراك. 

رفضتُ مِثلَك الموتَ البطيء، رفضت الموت بالتقسيط .

أنظر إليك، فأُردِّد مع الشاعر القديم:

بِرَغْمِي، وإنْ لمْ يُدرِكِ الطرفُ، أَنظرُ
إذا أَمْطَـرَتْ، عُـودٌ وَمِسـْكٌ وَعَنْبَـرُ

 

أُكرِّر طرْفي نحوَ نَجْدٍ، وإنَّـني
حَنِيناً إِلَى أرضٍ، كَأنَّ تُرابَهَـا،

وتشاءُ الأقدارُ أن أحمل يوما غربتي من فاس إلى نجد، لأجدني  كالمستجير من الرمضاء بالنار.

 ها أنا في نجد، ولكن هيهات!  كل يُغنِّي على ليلاه. وقفتُ ليالي كاملة من هناك، في الرياض، في مكة، في المدينة، في جدة في اسطامبول وأمكنة أخرى عديدة. تسمر نظري على بحيرة المنصور الذهبي أسترجع ذلك الزمان، أخشى أن يفلت مني الإنسان. امتد يومَها شطُّ البحيرة الصغير ثلاثة آلاف كيلومتر وخمسمائة. وتحولت شرايينُ دِماغي جداولَ وودياناً تخترقُ السهول في شمال الأطلس وجنوبه نحو البحر، نحو المحيط والمتوسط. قُنَّةُ الأطلس قُنتي، وشراييني تهتز أنهاراً وقلبي بحيرتي.وقتها قُلت: مصير النهر إلى البحر، سأعود.

وقفت من هناك على شط البحيرة مرة أخرى:

ما ذا ترى اليوم في هذا المكان؟

 خرائب في الأعالي، بقايا حيطان!

ماذا ترى اليوم في هذا المكان؟

صفحة ماء في الواطي، ورمل وطين وأعشاب، غيضانٌ أو فيضانْ.

ماذا ترى اليوم في هذا المكان؟

 أكيد أنك لا ترى شيئا، ولكني أرَى

هي باقية في وجداني، أتَركْتُها أم تركَتني  في شبابي في ريعاني...؟

خِلسة، في اندفاع

 قـال أحد الأصدقاء هناك (في نجدِ الحجاز 1996)، وقد قررت الرحيل فجأة بعد شهور من وصولي:

ــ  اِبْقَ معنا سنةً أخرى، وستألف.. الصعوبة كلها في السنة الأولى. وقلتُ وقال،

قال لـي:  ستذوبْ

 قلت: لا، لن أذوبْ

قال لي:

لا تكن عنيداً

    مهما كنت شديداً

         لو كنت حديداً!

 ستذوبْ

قلت له:

أنا من ترابْ براني الإله،

  لا يذوب ترابي في غير ماءٍ لـِدرعَ هواهْ

"ومضى كل إلى غايته"

   أنا عدت إليكْ لأذوب فيك.

لنسافر معا في القلب والكبد في بؤبؤ العين، في الشتاء والصيف. "فليت الغضى لم يقطع الركبُ عرضَه.."، كما قال مالك:

 

 

أَلاَ لَيْــتَ شِعْــرِي هــلْ أَبيتَـنَّ لَيْلَــــةً

بِجنْبِ الغَضَى أُزْجِي القِلاَصَ النَّوَاجِيَا

 

 

 

 

فليتَ الغَضَى لم يَقْطَــعِ الرَّكْبُ عَرْضَـــهُ

وَليـْتَ الغَضَى مـَاشَى الرِّكَابَ لَيالـيـَا

 

 

 

 

لقد كان في أهْلِ الغَضَى لَوْ دَنَا الغَضَى

مَــزَارٌ، ولَكـــنَّ الغَضَـى لـيـسَ دانِـيـَا

 

 

(مالك بن الريب يرثي نفسه)

 

 

وكانت الحارة  قد انبجست في الأعماق سنوات قبل ذلك، يوم ماتت أمي مطلع التسعينات. سمعتها تسائلني، في يقظتي ومنامي، في نكوصي وإقدامي واشتعال أحلامي:

أين أنت؟ أين ما بيننا؟

أين ماءُ الوادي؟

 أين  البلح؟

أين الحليب؟

أين صفير رياح الجَبَلِي؟

 أين سَـمَر الليالي؟

 أين ثُغاء الحُمْلان؟

 أين العراجين؟

 أين صراخك، أين غناؤك، أين المنوال؟

 أين الزهرة وفاطمة، أين عيشة وأمينة؟

 أقحمت وجهي بين كفي وانصرفت.

لنعد إذن إلى أول الحكاية. إلى أول السطر. نبدأ الرحلة من الشتاء والصيف.

 

********************************

 


1 ـ باب الربوع والديار

 

 

 

 

 

 

2 ـ رحلة الشتاء

                

 نـنتمي إلى الجدران

نحن من طين وماء

 

 

 

 

مع الأيام تغتني معارفنا ويفتقر الحس...

 عبثا حاولتُ تجريد الذكريات.

 أشياء الطفولة ترفض الحضور

إلى الذاكرة منفصلة عن الليالي والأيام،

 والفصول والأحوال، والروائح والألوان.

 تأتيك الآن تجر الأذيال تلو الأذيال .


الـجـدران

 دارنا القديمة ذات وجود في الشتاء يختلف عن وجودها في الصيف، الجدران والأبواب لم تكن، عند مجيئنا، حاجزا بين السكان واللصوص، كما كان الحال في فترة سابقة ما تزال حاضرة في  ذاكرة الشيوخ، أو كما هو إحساسنا اليوم في المدن، ونحن نُضاعف الأقفالَ وندعِّمُ خشبَ النوافذ بقضبان الحديد، ونـمُد الحواجز ونَنْصِب العوائق في كل مكان.

لا نستحضر الجدران والأبواب والنوافذ والشقوق إلا مع حلول البرد القارس، فوقتها يَجتهد الناس في سد الكوات والشقوق، والضوايات أو عيون الدور.

لم يكن نهارنا ينتهي، كما ينتهي اليوم، حسْبَ مزاج البلديات بإيقاد الأنوار، بل ينسحب راضيا  باحتجاب الشمس وراء الجبل، وإرخاء الظلام سُدوله. ينتهي النهار، وينتقل الاهتمام من العين إلى الأذن؛ لحظات وينطلق صوت المؤذن يشنف آذان المؤمنين والمتعودين على السواء.

أنا لا أسترجع الشمس دون الجبل: الجبل الشرقي الذي تطل الشمس من قمته متوهجة مبتهجة، والجبل الغربي الذي تنزوي وراءه ذابلة عليلة.

الجدران تنتمي إلى الشتاء،

الأشجار تنتمي إلى الصيف،

حين تكتسي الأشجار، بعد عري، تُعطي الثمارَ والظلالَ، تُعطي البهجة والصخب. وهناك أماكن من الحارة كأماكن من منازلنا الواسعة لا يُلتفتُ إليها إلا في فصل معين: في الصيف أو في الشتاء. وخارج زمنها تظل خارج الذاكرة. 

في الشتاء، تلبسنا الجدران ليلا، وتبهر أعيننا، مع الصباح، انكساراتُ الأشعة يعكِسُها الرذاذ. تتلألؤ حبيبات الماء على أوراق النجم والشجر. نمد اليد، نزيح قطع الجليد من جنبات الساقية، ثم نغسل وجوهنا. تتشقق الجلود إلى حين، تدهن بمعجون التمر فتلتئم، وينعم الجلد إلى حين.

في صباحات الشتاء ننتجِع أشعة الشمس، نطاردها في كل الزوايا، الزوايا المحمية من الرياح الجبلية مزدحمة. لست أدري هل لكلمة أَسَمَّرْ ذات الصيغة الصرفية الأمازيغية علاقة بِ"السَّمَر" في العربية؟ إن كانت هناك علاقة لغوية فالمضمون مختلف؛ سَمَرُنا كان بالنهار تحت أشعة الشمس حتى وإن امتد النهار فاخترق الليل. أَسَمَّرْ مكان لا قتناص أشعة الشمس.

 يتوقف الناس في الصباح لحظة لتسخين الأيدي والأرجل في هذا المَسْمَر أو ذاك، ثم يعبرون إلى الحقول. ويبقى الشيوخ يتقلبون تحت أشعة منفلتة تشوي جلودهم الرقيقة غير المدعومة بشحم أو لحم.

 في المساء، بعد استنفاذ آخر شعاع، يفلت من بين القمم، يُشعل الفتيان النيران في جريد النخل والشُّوعالِ، وما توفر من حطب،. يتسامرون ريثما تخمد النار ويُقلَّب الرمادُ حتى يبرد نهائيا. يبسط البرد سلطانه على المجلس فيبدِّدُه.

شمس الصباح مغرية، تسمع عابراً إلى الحُقول يقول، مُعرِّضاً بالمُسمَّرين إلى أشعة الشمس: "تشميسة خير من تخميسة‍‍!"

 غير أن التجربة علمت حتى من لا يتعلم أنْ لا جدوى من عبادة الشمس، وأن تشقُّق الأقدام، من شدة البردِ والخروجِ لسقي الحقول ليلا، أهونُ وأرحمُ من خصَاص شهر مارس؛ أهون من استجداء أهل اليسار مهما امتد حبل الإحسان، أهون من هَوانِ الاستدانة من المرابين. يعرضون خدماتهم في اللحظات الصعبة تحت أقسى الشروط؛ يشترون  الزرعَ واللوزَ قبل نُضْج الغِلل بأثمان زهيدة

 ومع ذلك فالحق ما قاله شيخ القبيلة: "إِليَاهُو لا يضع الحبلَ في عنق أحد، أنتم الذين تتهافتون على جيبه! لماذا تتهربون الآن من خيشه وشواريه!؟" يأتي إلياهُو وقتَ الشدة وحيدا يوزع حفنة من النقود لا تفيض عن راحته، تكاد لا تراه، وعند الحصاد وجمع اللوز وغيره من الغلل يأتي هو وحماره، وعلى ظهره عدة أكياس إضافية. يجده المستدين كخياله حيثما حل وارتحل.

كان بَنْعَلاَّ ـ وهو شيخ صلب محبوب لا يتوقف عن تقليب الأرض بإخلاص ـ  يُشعل الوقيد في قدميه المتشققتين، ويقول: تشقق الأقدامِ بركةٌ وطهارة، إنما يشققها الماء، والماء رحمة. وحين تتعمق شقوق القدم كأخاديد الأرض المفلوحة، وتصل إلى "اللحم الحي" تُخاط بالإبر العادية، وسُيورِ جلودِ الماعز الدقيقة، في أحسن الأحوال، أو بالخيط العادي، خيط الصوف المغزول يدويا، مما فَضَل عن النسيج، عند الضرورة.

عند "قطْعِ المنسج" توزِّع الوالدة الخيوطَ التي فضلت من سَداهُ على الجارات والصديقات غير النسَّاجات. النسيج فضيلة الأمازيغيات في البداية، بل في غالب الأمر، ولم يكَد يُعمَّم الاهتمام به، بعد الاستقلال، حتى ضاق نطاقه بزحف النيلون والبطانيات.

لم يتكون لدينا خوف من الماء والتراب، ولم نسمع بتلوث التراب وعواقب التلوث إلا عند الانتقال إلى المدينة، ماءُ الحارة وترابها نظيفان لا يثيران أي خوف أو اشمئزاز. نفترش الأرض حيثما طاب، ونشرب من الساقية والنهر بدون تحفظ.

تكاد نيرانُ المساء الملتهبة تُلهي اليافعين عن صلاة المغرب والعشاء، عن أداء الحساب اليومي من الصلوات الخمس، كما اعتادوا، دُفعةً واحدة، برغم الرقابة الشديدة التي يفرضها الشيوخ والكهول المنكمشون في  سَلاَهِيمِهِمْ بباب المسجد. باب المسجد يستقبل آخر شعاع من الشمش قبل أن تتلاشى وراء حدَبِ الحِدْسِ أسفل النهر.

شمس الحارة تولد وراء حدب أنْطُوفْ، في أعلى النهر، وتخمد إلى حين وراء حدَبِ الحِدْسِ. أَسَامَّرْ آيْت النصيلة، بجرفه الذي يولي ظهره للشمال فيرد الرياح الجبلية الباردة، هو أكثرُ رواداً لوقوعه في مركز القرية، قبالة المسجد. باب منزلنا مقابل هو الآخر لباب المسجد، على بعد حوالي مائتي متر لا أكثر. الساقية، وهي تتجه هبوطا موازية للنهر فاصلة بين الحقول والخلاء، تمر ملامسة جدرانَ المسجدِ وجدران منزلنا، في نفس الاتجاه. المسجدُ ومنزلُنا والسَّاقية والنخيل مشهدٌ واحد داخل إطار الصورة أفقيا أو عمودياً. داخل الإطار تماماً.

الفجــر...

 رأيته رأي العين مرات أوائل الخمسينات، ربما كما رآه صعاليك الجاهلية في رمال صحراء الجزيرة، رأيت الفجْر الكاذب ثم الفجر الصادق. الفجر على ضفاف درعة حدث ملموس جميل. له أصابيع ندية كما قال بودلير. يبدأ كذنب ثعلب كما وصف عند الشاعر العربي، حاولت مرات أن ألمسه، ثم دخلت المدرسة فحاولت أن أرسمه، ولكن هيهات!

سافرت أخيراً إلى تلك الجهة لأرى هل ماتزال النجوم بنفس الخريطة؛ الدب الأكبر والأصغر...الخ، كما شرح لي الوالد ذاتَ ليلة قبيل الفجر، ونحن نتخطى الشعاب ونتسلق المرتفعات نحو قمم الأطلس.. يظهر أنها لم تعد هناك، أو يبدو أن بصري لم يعدْ يرى الأشياء نفسها.

لم تعد تلك الأصابع الندية تمتد كخيوط حريرية تداعب النوم؛ تطرده من جفن لجفن... سأحتظُ إذن بخمرتي كما هي معتقة.

حتى أصدقائي القدماء من التلاميذ والطلاب كففت عن زيارتهم بعد هذه التجربة خشية  ألا أجدهم حيث تركتهم. من الأحسن في وقت ما، بالضبط عند قمة الكهولة، قبل البدء في العد العكسي، ختم شريط الماضي بالشمع الأحمر. جعله موضوعا للتأمل والفرجة، للمتعة والذكرى. ما أسعد أن يجد المرء أيامه الماضية كلها جميلة، أو على الأقل بريئة.

 في الشتاء، تخرج الأغنام عند الضحى  نحو المراعي متسللة في صمت...من يدري كيف؟ هل كانت تخرج صامتة حقا، أم كان ضجيجنا في الكُتاب أقوى من ثغائها؟

المساء

أمَّا في المساء فتتردد في جنبات القرية أصوات الأمهات من النعاج والماعز العائدة من المراعي، متلهفة للقاء صغارها المحتجَزين في الحظائر طول النهار، كما تتردد اليوم ذكراكِ في خاطري.

تتأخر أُولاةُ الأَحمالِ، تتسابق ذوات الأولاد الحديثي الوضع على وجه الخصوص، وتنفصل عن القطيع بمجرد ما تتراءى لها المعالم الأولى من الحارة، وقد يحدث أن تدفعها عاطفة الأمومة، أو غريزتُها إلى الانفصال عن القطيع في وقت مبكر، على مسافة بعيدة، فيكون في ذلك هلاكُها.  الذئاب كثيرة في زمن الخصب ذاك ـ كما هي في زمن البؤس هذاـ مترصدة، وإنما تأكل الذئاب من الغنم القاصيَةَ.

 ثغاء من كل جانب، يختلط بأصوات الأطفال والنساء المستقبِلات. وتنطلق أصوات الحملان الرقيقة من الحظائر حادةً محتجّةً، وشَجيةً مُتحنِّنةً. تلك سمفونية العودة إلى الأعماق.

في نهاية المشهد يأخذ "عَلِي الراعي" الكلمةَ ليسُبَّ "أيت الحارت" (أي أهل الحارة) بلا استثناء، ويقسم بالإيمان المغلظة ألا يزيد يوماً واحداً في رعْي أغنام "أيت بنشهاب"! لَغْوٌ  مكرور؛ لا يلتفت إليه أحد. سيرعى الأغنام حتى يُسلِمَ الروح َإلى باريها. وتبقى زوجته المسكينة قابعة في نهاية ما يصل إليه فضول أعيننا من ذلك الدهليز المظلم، وتمضي الأيام فلا يبقى هناك غير باب مشروخ تعبث به الرياح. بعد موت علي الراعي لم تعد الريح محملة برائحة الروث  المعطر بالأعشاب البرية، غلب عليه البول الآدمي القادم من الخرائب.

الدهاليز

في الشتاء نصل إلى أعماق الدهاليز، نبتعد من المداخيل، ونتلمس أعماق الزوايا، الزوايا التي كانت قبلَ الآن مُخيفةً؛ لا يَرتادها غير الفئران، وتضيق النفسُ عند دخولها، تصير الآن مأنوسة.

في الطابق السفلي حيث تُبيت الحيوانات، يوجد حانوت التبن وحانوتُ الحطبِ وقشِّ الذرة (أغَدُّو)، وكلها مأنوسة في فصل الشتاء، بل مُغريةٌ، ولو من باب التحدي والتجربة، للانتصار على الخوف وإثبات الرجولة. لا بد لكل مراهق أن يَمتحنَ مدى شجاعته بالمبيت ولو لليلة أو ليْلتيْن في الدهاليز الموحشة متحديا أصوات الفئران، وأشباح الجان، متوقعا مفاجآت الأخوات والإخوان، وكمائنهم.

الدهليز الأكبر المخيف بالنسبة للوالدة هو "دار أيت بنشهاب" حيث كانت متحجبة، "لا خوف من أي دهليز بعده".

النهــر

 ... يستمر المطر في شتاء ذلك الزمان متهاطلاً الأيامَ والليالي.

 "يَحمِلُ" وادُ درعةَ (بل يضع حمله) فينسابُ نحو الغرب بين الأطلسين الكبير والصغير، ثم ينحرف نحوَ الجنوب قَاصماً ظهر الأطلس الصغير في رحلته الطويلة نحو المحيط الأطلسي... لقد كنا إذن على ضفة أطول نهر في المغرب دون أن نعلم ذلك (1200 كيلومتر).  ها نحن في المدرسة العصرية نأخذ أول مزية إقليمية من درس الجغرافية: عندنا رقم قياسي وطني في شيء ما! في طول النهر.. يرسم درعةُ بمساره الحدودَ الجنوبية للحارة، يُخطِّطُها حسْبَ هواه قربا وبعدا من القرية، فيعيد تقسيم جانب كبير من الممتلكات، ويخطط ملامح الناس وقسماتهم. غالبا ما يكون حَمْلُه ليلاً، والليل أكثر زمن الشتاء في البادية، فيستيقظ الجميع في الصباح الباكر.

 البعض يبحث عن جذوع الشجر التي يلقي بها النهر على ضفتيه مغطاة بالطين والزبد. وقد يكون من جملة ما تحمله المياهُ المتلاطمة بعضُ الأدوات المنزلية التي عثر حظُّ أصحابها، فانفرط عقدها، بعد عِشْرة وعشيرة: من مهاريسَ وأدواتِ نسيج، وغير ذلك مما سلبه من ضحايا أُخذوا على حين غِرة؛ فاجأهم تحت جنح الظلام، في المناطق العليا من قلعة مكونة ودادس.

 الكل يستطلعُ؛ يرسم في ذهنه خريطة جديدة حسب ما ترك النهر العاتي من أرضه وما اقتطع منها، ويحفظ الخريطة القديمة للذكرى. فخريطةُ القرية  مرتبطة ضيقاً واتساعاً بشهية النهر. ويوم اعترضَ بنو البشرُ طريقَه وعرقلوا سيره بإقامة سد يعقوب المنصور اابتلعَ كلَّ شيء؛ ابتلع الأرض والشجر والمنازل.

 للأطفال متعتهم الخاصة في مشاهدة المياه المتلاطمة بين العِبْرين، من الجبل إلى الجبل، وهي تلتهم الأرض وتهدد الأشجار.

 ما أكثرَ من أفقرهم النهر، وحولهم من مالكين إلى خماسين. والأملُ قائمٌ دائماً في أن يُراجع حكمه يوما ويحوِّل مجراهُ نحو الضفة الأخرى فتصيرُ مصائبُ قومٍ فوائدَ عند آخرين، تلك أرض افتراضية؛ يُداولها النهر بين الناس.

إن جبروت "حمْلات" درعة جعلَ الناسَ يَقرنونه بالقوات المداهمة الغادرة المدمرة التي لا ينبغي الركونُ إليها، أو الوقوفُ في طريقها.

 من هذه القوى المخيفة الجَمَلُ وكانت الجمال ـ بكسر الجيم ـ تصاب بالجنون فترغي وتزبد، تهاجم كل من تجده في طريقها، تضع سيءَ الحظ ، حسب ما يُروى ــ وللمرويُّ فتنة ورهبة أشدُّ من فتنة من المشاهَدـ  تحت كلكلها فتمعكه، أو تعركه "عرك الرحى بثفالها"، كما اشتهر عنها الانتقام. ومنها النهر؛ لكل ما ذُكر من سطوته. ومنها المَخْزَن الحاكم بهواه، لأن "المخزن لا صاحب له"، كما يقال.

حين نقارن هذه "الحكمة الجنوبية" بما هو شائع في المدن الشاطئية نلاحظ أن النهر في مَثلنا بديلٌ للبحر، والجمل بديل للنار. أما المخزن فلا بديل له في شمال الأطلس وجنوبه، يملأ النهر والبحر فضلاُ عن البر.

يُروى

 يروي سكان المنطقة كثيرًا من سخريات النهر بالمغامرين المدعين. أما الوالدة، فكان مدخلها لاستثارة ذكريات إحدى صديقاتها القديمات المحبوبات لديها، تذكيرها بعبارة مثيرة، وسلوك غريب، صدرا عنها في بداية حياتها الزوجية. وهي، مثل الوالدة، أمازيغية تزوجت في هذه القرية العربية أو المعربة. وربما كان هذا من أسباب عمق الاتصال بينهما.

يُروى، والله أعلم، أن زوجها تحدى نهر درعة في عنفوان حملته  اعتداداً بمهارته، وإدْلالاً بقوته، فما كاد يقطعُ مسافة قصيرة حتى سُحب الرمل والحَصا من تحت قدميه، وصار لا يستقر شيءٌ تحتهما، واختل توازنه، وعبرت فوقه الأمواج، وغاب عن الأنظار. وأمام دهشة الجميع، قالت المسكينة ببرودة ظاهرة وحرقة دفينة، وهي تهم بالانصراف من المشهد كله: "إ كَلِّينْ، عبد رحمان، إِيوِيتْ أَسِيفْ". أي: "مسكين عبد الرحمن أخذه النهر!".

تمكن الناس من إنقاذ عبد الرحمن، أو تمكن عبد الرحمن من إنقاذ نفسه. وعندما تأكدت سلامتُه، وسُتِرت عورتُه، ضحك مرتين: مرة عندما أخبروه بما وقع منها، ومرة لعذرها عندما قالت، ببُرودة مُرَّةٍ: أنا امرأة حَمقاءُ، لا تهتموا بما أقول.

 لم تكن أبدا حمقاء بل كانت هي وزوجها أقربَ إلى الحكمة، كانت بلسماً، في منتهى الطيبوبة. منزلُهم لمنزلنا ظهرا لظهر، مفتوح على الدوام، نلجه للاختباء في لعبة غميضة دون استئذان. ونخرج في هرج ومرج، دون عتب أو احتجاج إلا من والدتي. وكان بإمكان أحدنا أن ينادي الآخر من السطح فيسمعه، ومع ذلك كانت الوالدة تحذرنا من الحديث عبر النوافذ والسطوح، ترفض ذلك بحزم، وتفرض الدوران حول المنزل للوصول إلى باب الجيران وطَرْقه مهما كان الغرض صغيراً. أما الجارة الطيبة فترى أنه لا احتجاب من الملائكة.

لقد كنا يوماً ما ملائكة! هذه ذكرى سعيدة، مهما بعدت.

قال الراوي ، جبر  الله كسرَه، عندما وقف على تلك الأطلال، (من قصيدة بعنوان: لدرعة أحكي):

 

لدرعة أحْـكِي

على ضَفَّتيك رعَيتُ الغَنَمْ ...زمــــاااانا

وتِـهْتُ...مِـــــرااااراً

 وعُـــدتُ.

وسِـرتُ على حَصَواتِك حافي القدمين

ورأسي...

حَسيرٌ إلى شمسكَ والقمرْ،

على ضَفتيك يَطيبُ السمرْ.

فأين خُطاي؟

على ضفتيكَ تركتُ الكواكبَ تجْلو القمرْ

وأبحرت في سَحب راحل.

           أبيْن الشجر...أَبَيْنَ الأنام... (؟)

على ضفتَيك زماني وقَفْ .

... تركتُ صَـدايَ يَـــئِــنُّ

     تركتُ صدايَ على ضفتيك يهيمْ

                            وراءَ حصان مضَى

يجُـرُّ العِـنان

يلوكُ العطشْ.

الطين

يتوالى المطر عدة أيام فينفذ إلى أعماق الجدران والسطوح، يلين الطين، ويصبح  تسربُ الماء  متوقَّعاً خاصة بالنسبة لمنازل المتهاونين الذين لا يقومون بالإصلاحات الضرورية في وقتها، من تلبيس الجدران (أو "تمليسها": أي جعلها ملساء)، وتضميد ما قد يظهر من شقوقٍ وتجعداتٍ على بشرتها. منازلنا حية كالأقدام والأصابع؛ تجف وتتشقق، منازلنا جلود فوق جلودنا؛ خطوطنا الدفاعية الأولى. ‍

"الطين" يخاف من تهاوي الطين ‍‍‍‍‍! ‍‍‍‍‍‍‍‍

مرة واحدة، لا أكثر، استيقظنا على صياح مستغيث، كان النصفُ الغربي من الدار المقابلة لدارنا ـ من قصر آيت النصيلة ـ قد انفصل عن النصف الشرقي، وترك الغرف بدون أبواب، مفتوحةً على الفضاء، ولم تكن هناك أسرار. لم يكن هناك جديد غيرَ حصير مدلىًّ في الفضاء.

يقصف الرعد بعنف شديد في جوف الوادي، فيتردد صداه بين الجبال مضاعفا، ويمتد دويه بدون نهاية، يسافرُ في جوفِ الوادي حتى يتلاشى نهائياً. ويومض البرق فتسرع يمنى الوالد إلى إغلاق النافذة، وتردد شفتاه، كما لوكان يلقننا، وينتظر أن نردد معه: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على القفار والبراري، اللهم لا تواخذنا بما فعل السفهاء هنا". وتستمر الشفاهُ في الحركة دون صوت مسموع، ونحس بالاطمئنان، فننام مِلءَ جفوننا.

البرزخ

ونحن ما نزال في الشتاء. ما تزال رياح الجبلي تهب بعنف. من الأطلس الكبير جالبة معها طيوراً غريبة عن المنطقة، طيورا جائعة سهلة الاصطياد، منها شَرَّقْراق والزقف. يطاردها الأطفال بفخاخهم المصنوعة من حبال السعف (أو الزعف) و"الكرناف" المعقوف.

 ما نزال نصطادُ الطيور الجبلية حتى يبدأ اللوز والخوخ والمشمش والسفرجل في تلوين فضاء القرية بالأخضر والأبيض والأحمر والبنفسجي. وحين تُطلُّ من سطح المنزل، أو من أحد الجبال المشرفة على الحقول، ينتابك شعور مثل الذي انتاب أبا تمام حين قال:

أتاكَ الربيــعُ الطَّلْــقُ يختــالُ ضاحـكاً    مـــن الـحُسن حتــى كــادَ أن يَتَكلَّمـا

قد يذهب الجبلي بأزهار اللوز و أكمامه، هذه العملة الصعبة التي ازداد الاهتمام بها بزيادة الحاجةِ إلى النقود، ولكن نهايةَ الشتاءِ أكيدةٌ، منتظرةٌ بشغف، وتبدأ عملية الصعود من وهْدَة الشتاء العميقة إلى قمة الصيف، قمة الدورة السنوية. ما الربيع غير سلم نتسلقه نحو الصيف نحو الخصوبة نحو الحرية